إدواردو غاليانو.. نبيّ اصطفاه الشيطان

نُشر في الجمهورية

إدواردو غاليانو (Photo by Renata Laszczak).

إدواردو غاليانو (Photo by Renata Laszczak).

الألم يُحكى بصمت.
ولكنني أتساءل: ماذا سيحل بمدينتنا في غيابه؟
ما الذي سيكون من مونتيفيديو بعد رحيله؟
وأتساءل أيضاً: ماذا سيحل بنا بدون طيبته التي تعجز الكلمات عن وصفها. 

هكذا رثى إدواردو غاليانو مواطِنه وأستاذه ورفيقَه الشاعر الأوروغواياني ماريو بينيديتي 1 ، بعد وفاته في 17 أيار 2009. لا ينبغي أن يكون اقتضاب غاليانو وإيثاره الصمت على المغالاة بالكلام مفاجئاً، فهو التزم بمحاربة «تضخّم الكلمات»، مؤكّداً أن النصوص الوحيدة التي تستحقّ أن تبقى، هي تلك التي تكون أفضل من الصمت. والصمت هو أكثر اللغات فصاحةً، ما يجعل المنافسة معه صعبةً جدّاً.

ستة أعوام مرّت على رحيل بينيديتي، وهاهي عاصمة الأوروغواي مونتيفيديو، المدينة الصغيرة التي منحتنا من المثقفين والأدباء والموسيقيين والرياضيّين المتفوّقين، ما عجزت عنه مدن أكبر وأثرى منها بكثير، هاهي ذي تودّع أسطورة أخرى من أساطيرها، ابنها المتمرّد إدواردو غاليانو. توفي غاليانو في فجر الإثنين الماضي عن عمرٍ ناهز 74 عاماً، بعد معركة مضنية مع سرطان الرئة، تمكّن كاتبنا خلالها من هزيمته مرّة، ومن مراوغته مراراً حين عاوده، إلا أن جسده لم يصمد لأكثر من ثلاثة أيام بعد نقله إلى المشفى في العاشر من نيسان.

ومع أن خير وسيلة للتعبير عن الألم هي الصمت، نتساءل، كما تساءل غاليانو بعد رحيل بينيديتي: ماذا سيحل بهذه المدينة في غيابه؟ وماذا سيحل بنا بدون انتظار كتابه القادم؟

قراءة كتبِ غاليانو تشبه الإصغاء إلى راوٍ مخضرمٍ ومحبوب يقصّ حكاياه في مقهى شعبيّ، إلا أن مقهى غاليانو يختلف عن المقاهي الشعبية السائدة، بكونه متاحاً للجميع وغير خاضع للأعراف والتقاليد. وغاليانو ليس راوياً اعتياديّاً أيضاً، فأسلوبه بالسرد متحرّرٌ من الوصاية والإملاء وسلطويّة الكتّاب الذين يعتقدون أن الله انتقاهم كي يعلّموا الجماهير. «بعض الكتّاب يخالون أن الله اصطفاهم ولكنني لست كذلك، فمن اختارني هو الشيطان، هذا واضح!». هذا ما يقوله غاليانو، الذي لطالما رفض أن يعتبر معلّماً، فهو «لا يدرّس أحداً، بل يحكي القصص المنسيّة التي تستحقّ أن تُروى». وأبطال حكاياته هم أشخاصٌ مهمّشون وغير مرئيّين، ألقى بهم التاريخ الرسمي على قارعته، إلا أنهم ليسوا أشخاصاً بلا صوت. هنا، يختلف غاليانو مع معظم رواد حركة لاهوت التحرير. فهو لا يسعى لأن يكون «صوت من لا صوت لهم»، ليس فقط لأن كل إنسان له صوته الخاص والمتفرّد الذي لا يمكن أن يستعيره من أحد. بل كذلك، وبحسب غاليانو، لأن جميع الناس لديهم أصواتهم الخاصة، لكنها قد تكون محجوبة وغير مسموعة، بفعل القهر والاضطهاد الذي يتعرّضون له. «كل إنسان يملك قصّةً تستحقّ أن تُسمَع وأن يُحتفى بها، أو على الأقل أن يُصفح عنها».

وهذا كان اليقين الذي دفع غاليانو لتأليف كتابيه الأخيرين، مرايا: قصص تكاد تكون عن الجميع، الصادر في نسخته الإسبانية في العام 2008، وكتابه أبناء الزمن: تقويم للتاريخ البشري الصادر في العام 2013. استوحى غاليانو عنوان كتابه الأخير من مقولة ردّدها أبناء شعب المايا في غواتيمالا: «نحن أبناء وبنات الزمن». كلّ يومٍ من أيام السنة له قصته بل قصصه، وانتقاء القصص لم يكن سهلاً، والقصص الوحيدة التي بقيت لتُنشر كانت تلك التي اعتبرها غاليانو أبلغ من الصمت، وتميزت بطرح سرديّة مختلفة عن تلك التي تهيمن على التاريخ الرسمي المكتوب، والتي يتم تلقيننا إياها كما لو كانت حقيقة مطلقة لا لبس فيها. أما «مرايا» فقد كان حين نشره أهم مشروعٍ يطلقه غاليانو منذ ثلاثيّته ذاكرة النار، الصادرة بين الأعوام 1982-1986، والتي كتب معظمها في منفاه في إسبانيا. وتعتبر الثلاثية، رغم مرورِ ثلاثة عقودٍ على نشر آخر أجزائها، من أهم المؤلّفات والوثائق الأدبية التي تميط اللثام عن جرائم الإبادة والتهجير والاستغلال والإفقار، التي ارتكبها الاستعمار الأوروبي، ومن ثم قادة الولايات المتّحدة، في الأميركيتين. وتغطّي الثلاثية الفترة الزمنية ما قبل الاستعمار الأوروبي في العام 1492، وحتى ثمانينيات القرن الماضي. «مرايا»، في المقابل، ليس بضخامة الثلاثية، ولكن حاله حال «أبناء الزمن»، فإنه لا يقتصر على الأميركيتين أو على حقبة زمنية معينة، بل يجمع فيه غاليانو صوراً وحكايا ومفارقاتٍ وقصاصاتٍ من جميع أنحاء العالم. والتزام غاليانو النسويّ جليٌّ في كليهما، فعدد كبير من «أبطال» قصصه هنّ نساء، إضافة إلى الرؤيا النسوية العامة التي توجّه كتابة غاليانو، وتشكّل مفهوماً قيمياً ملازماً لأفكاره الاشتراكية والمناهضة للعنصرية والرافضة للعسكرة والحروب.

يغوص غاليانو عميقاً في تاريخ الشعوب التي سحقها المستعمرون والاثرياء، وشيّدوا سلطتهم وسطوتهم على أنقاض حضاراتها وأشلاء أبنائها. ينقّب عن شظايا قصصهم الفردية والجمعية المتناثرة، ويجمعها ليشكّل منها صورة مختلفة عن التاريخ الذي نتعلّمه في المدارس. ويبدي خلال عملية البحث هذه، التي عايش فيها الفلاحين والسكان الأصليين، والجنود والفنانين والمتمرّدين، وحاور فيها القادة والرؤساء والمناضلين والخارجين عن القانون، يبدي عيناً ثاقبة وحرصاً شديداً وحساسية عالية تجاه أدق التفاصيل، التي قد يغفلها كتاب آخرون. هذا الحرص على التفاصيل الصغيرة، والحقائق المغفلة، والأحداث الجافة، ونسجها لإعادة كتابة التاريخ على ألسنة صنّاعه الحقيقيين، المنسيّين، ميّز إنتاج غاليانو الغزير.

في مقدّمتها لكتابه عروق أميركا اللاتينية المفتوحة، أشهر كتب إدواردو غاليانو وأكثرها مبيعاً، تكتب الروائية التشيلية إيزابيل أيّيندي، أن من أكثر ما يثير الإعجاب في كتابات غاليانو هو عثوره على الكنوز المخبّأة، ونجاحه في إعادة الألق إلى أحداث تاريخية متهتّكة، وإذكاؤه الحماس في أرواح قرّائه من خلال شغفه الشديد.

وينسب غاليانو هذا الشغف الذي يتّسم به أسلوبه إلى كونه لم يتابع تعليمه الرسمي، حيث اضطر إلى ترك مدرسته والخروج إلى العمل في الـ 14 من عمره. أما أسلوبه في سرد القصص، فقد اكتسبه بداية من زوار المقاهي في مدينة مونتيفيديو الذين استمد منهم الشغف والخيال. ولكن في تلك الأيام لم يكن طموح غاليانو أن يصبح كاتباً على الإطلاق، إذ كان يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم، وقد أشار إلى ذلك في أحد حواراته:

«كنت أفضل لاعب كرة قدم في العالم، كنت اللاعب الأول بدون منازع، أفضل من بيليه ومن مارادونا، وحتى أفضل من ميسّي. لكن هذا كان في الليل فقط، في أحلامي، وما إن أستيقظ حتى أتذكر أن لي ساقين خشبيتين لا تصلحان لكرة القدم، ولعله من الأفضل لي أن أكسب قوت يومي من خلال الكتابة».

على الرغم من عمله كرسام كاريكاتير وصحفي سياسي وكاتب، لم يتخلَّ غاليانو عن شغفه بكرة القدم وعشقه لها، وإن كانت ساقاه «الخشبيتان» لم تمكّناه من أن يصبح لاعب كرة قدم، فقد نجح قلمه بوضع ملاعب العالم بين دفّتي كتاب.

الكتابة الرياضية ليست لوناً أدبيّاً نادراً، وهنالك مئات الكتب والمقالات الجيدة، التي تشرّح العلاقة بين كرة القدم والسياسة، وتحلل تأثير المال على الرياضة، وتعيد قراءة أحداث رياضية معينة ضمن سياقها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتاريخي. ولكن كتاب غاليانو كرة القدم في الشمس والظل، الذي يوضّح توأمة الرياضة والسياسة، ويوثّق التاريخ الاجتماعي للعبة كرة القدم، يبقى عملاً نادراً لم يُنشر ما يشبهه في مجال الكتابة الرياضية.

في الطبعة المعدّلة التي صدرت في العام 2003، يمنحنا غاليانو إطلالة على تاريخ كرة القدم منذ أيام الفراعنة، حيث كانت الكرة تُصنع من القش وتغطّى بقماش ملوّن، وحتى كأس العالم في كوريا الجنوبية واليابان في العام 2002، حيث صار أطفال باكستان يحيكون كرة أديداس ذات التقنية المتطورة.

لا يخجل غاليانو من التعبير عن عشقه الشديد لكرة القدم، ولا يتردّد في إغداق العبارات الشعرية، التي تصل حد التصوّف تارةً، والشبق الإيروتيكي تارةً أخرى.

 فنجده يكتب، مثلاً:

«لحسن الحظ، ما زال بإمكاننا أن نرى على أرض الملعب، حتى وإن اقتصر ذلك على مناسباتٍ قليلة فقط، لاعباً وغداً وقحاً، يخرج عن النص، ويرتكب فاحشة المراوغة ليتخطّى جميع مدافعي الخصم، الحكم، والجمهور في المدرجات، وكل ذلك بغرض تحقيق الفرحة الشهوانية، التي تمنحها المتعة المحظورة بمعانقة الحرية!».

وفي مقدّمة الكتاب يعترف غاليانو بالتالي: «أخيراً وبعد مرور سنواتٍ عديدة، تعلّمت تقبّل نفسي على حقيقتها: أنا متسوّلٌ يبحث عن اللعب الجميل، أجول العالم مادّاً يديّ متوسّلاً في الملاعب: أستحلفكم بالله، هاتوا هجمة جميلة واحدة! وعندما أشاهد كرة قدم جيّدة، أعبّر عن امتناني للمعجزة، دون أي اكتراثٍ بهوية الفريق أو المنتخب الذي صنعها».

وبينما يعرّي غاليانو أمامنا ضعفه تجاه كرة القدم الجميلة، ويؤكّد على انحيازه للعب الجميل أيّاً كان مصدره، لا يتوانى عن كشف الجوانب المظلمة التي حوّلت كرة القدم من بارقة أمل إلى أداة قمعٍ واستغلال، وهذه الظلال، التي يبسطها قادة الاتحاد الدولي لكرة القدم، الفيفا، من قلاعهم في زيوريخ، تحجب عنا شمس الكرة ونورها.

عاد غاليانو ليؤكّد مناهضته سياسات الفيفا في تجريدها كرة القدم من جماليّتها وروحها، في بيان أصدره قبيل بطولة كأس العالم في العام الماضي، أعرب فيه عن دعمه للمظاهرات التي اجتاحت البرازيل آنذاك: «تفجّر الغضب في البرازيل مبرَّر ويشبه في تعطّشه للعدالة، المظاهرات التي هزّت دولاً كثيرة في أنحاء مختلفة من العالم مؤخّراً. قرر البرازيليون، وهم أكثر الشعوب تولّعاً بكرة القدم، ألا يسمحوا مجدداً باستخدام رياضتهم ذريعةً لإذلال الكثيرين، وإثراء قلّة قليلة. احتفال كرة القدم، وهو عيدٌ للأرجل التي تلعب، وللعيون التي تشاهد، هذا الاحتفال هو أكثر بكثير من مجرد مشروعٍ اقتصادي كبير، يديره سادة منصَّبون في سويسرا. فالرياضة الأكثر شعبيّةً في العالم تسعى لكي تخدم الناس الذين يحتضنونها، وهذه هي النار التي لا يمكن لعنف الشرطة إخمادها».

هذا الالتزام بالحرية والعدالة، القيمتين التين شبههما غاليانو بالتوأم السيامي، حاضرٌ في كتاباته عن كرة القدم وعن الرياضة، كما هو حاضر في كتاباته السياسية والاجتماعية. وقد كرّس هذه الكتابات، على مدى أكثر من خمسة عقود، لتوضيح الطبيعة البنيوية لعدم المساواة والظلم في العالم. فوفقاً لغاليانو، ليس ثمة ثراء بريء إذ أن الحرية والعبودية، والفقر والغنى، ليسوا أموراً مفروضة من أعلى بل نتيجة لنظام عالمي جائر تتحكم به الدول الكبرى، التي تحاضر في الديمقراطية وهي مصانع للعسكرة والحروب. النقد الماركسي لنهب الموارد والاستعباد الذي حصل في أميركا اللاتينية كان الركيزة الأساسية لكتاب غاليانوعروق أميركا اللاتينية المفتوحة. الكتاب الذي صدر في العام 1971، سُمح بإدخاله في البداية إلى السجون أثناء الأشهر الأولى للانقلاب العسكري في الأوروغواي في العام 1973. لم يمانع الحراس بإدخاله لأنهم اعتقدوا أنه كتابٌ في علم التشريح، لكنهم سرعان ما اكتشفوا خطأهم، فمنعوا الكتاب في الأوروغواي، قبل أن يُمنع في التشيلي والأرجنتين أيضاً. اعتقل غاليانو لفترة وجيزة حين كانت الأوروغواي «بطلة العالم في التعذيب» كما يقول، قبل أن يُنفى إلى الأرجنتين، التي غادرها في العام 1976 بعد انقلاب عسكري دموي آخر. «تركت الأوروغواي لأنني لم أرد أن أبقى سجيناً، وغادرت الأرجنتين لأنني لم أرد الاستلقاء في المقبرة، فالموت ممل جدّاً».

مثّل الكتاب صرخة مدويّة أطلقها فقراء أميركا اللاتينية وسكانها الأصليون، ضد استخدام الولايات المتحدة لبلادهم كساحتها الخلفية. تتذكّر إيزابيل أيّيندي أنه أثناء هربها بعد الانقلاب الذي قاده بينوشيه في تشيلي، لم تحمل معها إلا أغراضاً قليلة، من ضمنها ثياب وصور عائلية، وكتابان: أحدهما كان ديواناً لبابلو نيرودا، والثاني كان نسخة من كتاب غاليانو «العروق المفتوحة».

عاد الكتاب ليستحوذ على شهرة غير متوقعة في العام 2009، حين أهدى الرئيس الفينزويلي الراحل، أوغو تشافيس، نسخة منه إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال القمة الأميركية. حين سُئل غاليانو عن إحساسه بأن كتابه أصبح الأكثر مبيعاً وأنه أصبح مشهوراً، كان رده حاسماً: «أنا لا أكتب لتُباع كتبي أو لأصبح مشهوراً ولا أكتب لأجل السوق. أنا أكتب لكي أقترب من الناس».

تغير الكثير في أسلوب غاليانو منذ نشره كتاب «العروق المفتوحة»، بل أنه لا يتردد في انتقاده، خاصة وأنه حاول أن يكون كتاباً في الاقتصاد السياسي، بينما لم يمتلك غاليانو التدريب أو الدراية الكافية بالاقتصاد السياسي. ومع أنه ليس نادماً على أي نقطة أو فاصلة في ذلك الكتاب، فقد تقدم في وعيه ونضجه إلى مكان آخر.

ما لم يتغير في غاليانو، مع مرور السنين، كان إصراره على محاربة النسيان التاريخي واستعادة ذاكرة البشر التي تم تقطيعها وتجزئتها. يشبّه غاليانو هذه الذاكرة البشرية الجمعية بالطيف البشري، إنه «أجمل وأبهى من قوس قزح الآخر، ولكن الطيف البشري تعرّض للتشويه على يد الذكورية ، والعنصرية، والعسكرة، وأشياء أخرى كثيرة دأبت على قتل عظمتنا المحتملة وجمالنا المحتمل».

لا تزال هنالك الكثير من الأصوات التي تطالب بحقها أن تُسمَع، والكثير من القصص التي تستحقّ أن تُحكى، وبرحيل غاليانو فقدنا أفضل من يمكنه التنقيب عنها وسردها. وفقدنا نبيّاً نذر نفسه للنظر إلى الوراء، لا ليندب، بل ليستخرج الكنوز المخبّأة ويكشف الجرائم المدفونة.

Why Palestinians should unite to support Naqab protests

Published in Electronic Intifada

Palestinian Bedouins take part in a march in the southern town of Rahat to condemn the killing of two residents by Israeli police on 20 January. (Oren Ziv / ActiveStills)

Palestinian Bedouins take part in a march in the southern town of Rahat to condemn the killing of two residents by Israeli police on 20 January. (Oren Ziv / ActiveStills)

Last month, police killed two unarmed Palestinians in Rahat, the largest Palestinian Bedouin city in the Naqab (Negev) desert in the south of present-day Israel.

Twenty-two-year-old Sami Jaar was killed on 14 January. Four days later, Sami Ziadna died from excessive tear gas inhalation when Israeli police clashed with local youth during Jaar’s funeral procession. The killings sparked a seemingly unprecedented wave of protests in Rahat.

“I am 37 years old and I have never seen this much anger and violence in the city,” said Fadi Mashamra, president of the Regional Council for Unrecognized Villages in the Negev, a local grassroots committee established in 1997.

The protests in Rahat were accompanied by smaller ones in other Palestinian towns in the country, in addition to a call for a general strike on 20 January.

Since that topsy-turvy week in Rahat in mid-January, though, order and normalcy appear to have been restored.

Pattern

The killings of Jaar and Ziadna, and the protests that followed them, echoed what happened in the Galilee village of Kufr Kana following the police killing of Kheir Hamdanin December.

To understand the latest events in Rahat, one cannot view them separately from the wider context of land expropriations, home demolitions and the ongoing persecution of the Naqab’s Palestinians.

The protests were not simply isolated responses to police killings. Rather, they were the result of accumulated grievances.

The protests can be viewed as a follow-on to the campaign during the summer of 2013 to topple the Prawer Plan, an Israeli government program intended to displace tens of thousands of Palestinians in the Naqab. The plan was withdrawn in December that year after sustained protests by Palestinian citizens of Israel.

The mobilization against the Prawer Plan played a key role in radicalizing a significant portion of youth in Rahat and nearby towns.

Concentrated in ghettos

In Rahat, a city planned by the Israeli government, locals suffer from extreme discrimination, terrible infrastructure and high poverty rates matched only by those Bedouin villages which Israel refuses to recognize.

Rahat was established in 1971 as part of Israel’s forced urbanization of the Bedouin community in the Naqab. The Israeli authorities presented the establishment of Rahat as a trailblazer in Israel’s project of “development.” But the real intention behind the move was to concentrate Bedouins in poverty-stricken, overcrowded “cities” and to forcibly change the indigenous residents’ way of life.

Israel has always seen Palestinian-Bedouin residents in the Naqab as a burden to be dislodged — and Rahat and other cities were the initial dumping grounds to get rid of the “Bedouin problem.”

Those cities were established without the slightest respect for the Palestinians’ right to self-determination. Local Palestinians were not consulted about and did not participate in the process of planning their own cities.

Such cities would not just concentrate the native Bedouins in ghettos and lay the groundwork for Judaizing the Naqab. They would be administered by local authorities that collaborated with Israel’s apartheid system in a bid to ensure that the indigenous population remained obedient.

With skyrocketing unemployment, densely-populated slums and no room for expansion, those cities, including Rahat, turned into a fertile ground for crime, drugs and social ills resulting from the lack of proper planning and arbitrary urbanization.

Surprise reaction

Israel also capitalized on the state-engineered poverty faced by Bedouin youth. With few employment opportunities, Bedouin were offered economic incentives to serve in the Israeli military. By making the entire Bedouin community appear pro-Israel to fellow Palestinians, Israel was resorting to the classic “divide and rule” tactics employed by imperial powers.

So it came as a surprise — perhaps even for the Israeli police — to see such a wave of protests organized by the local population of Rahat. Part of the surprise stems from the orientalist view of Bedouins as a passive, patient population that cannot mobilize or that lacks any political or national consciousness.

The Israeli police even spread rumors that Bedouin involved in recent protests were not from Rahat.

“When we were protesting one Israeli police officer came to me and said: ‘I cannot believe that those rioting are Bedouin. Our own Bedouin would never do things like this. You must be wary of the outsider,’” Hind Salman, a political and feminist activist from Rahat, told The Electronic Intifada.

It is this mentality of “our own Bedouin” that many activists in the Naqab are hoping to tackle.

“We are beginning to see a major change in the relation between us and the State of Israel,” Fadi Mashamra said.

“It’s time to move beyond the citizenship discourse. Israel cannot trample upon our dignity and expect us to remain silent and tolerant.”

Clash of mentalities

Much like the Kufr Kana protests — and those against the Prawer Plan — the protests in Rahat illustrated a clash not as much between two generations as between two mentalities.

One group — overwhelmingly led by youth, many of whom had not previously been politically active — were eager to take to the streets. They were angered by a clear attack on Palestinian dignity.

The other group, including local councils, traditional patriarchs and most of the political elite, tried to contain the anger. They used rhetoric about the need to “protect property” and “protest in a civilized fashion.”

This means that forces that ostensibly exist to serve the Palestinian public interest do Israel’s job of housekeeping. In Rahat, this was particularly apparent as calls for youth to go home were repeatedly made through the loudspeakers of mosques across the city.

A week following the killing of Sami Jaar, a member of the so-called Rahat Popular Committee, Ali Dahsan, addressed Rahat’s youth on the Nazareth-based Ashams Radio. “You’ve done your job and shown your anger and made your voice heard,” he said. “Now it’s time to go home and let things go back to normal and let the professional committees do their job of holding police accountable.”

The same patronizing committee struggled to get permission from the Israeli police to hold a sit-in protest in Beir al-Sabe, another city in the Naqab, to demand the release of the detainees arrested during and after the protests. The permit only allowed a limited number of participants.

Another problem encountered by protesters in Rahat was the perceived lack of support from other Palestinian towns in present-day Israel.

Salman believes this had to do with the marginalization of the Naqab by Palestinians themselves and with Israel’s success in dividing Palestinian communities. While the High Follow-Up Committee for Arab Citizens in Israel and other Palestinian groups have spoken about the Naqab being at the heart of the Palestinian struggle, Salman argued that such declarations are “just slogans.”

“We feel that even Palestinian activists from the north look to the Naqab as a remote area, that they live in a bubble,” she added.

An additional obstacle to mass mobilization at the moment is that the political parties representing Palestinian citizens of Israel are preoccupied with the elections to Israel’s parliament, the Knesset, scheduled to take place in March.

Four such parties have formed the United Arab List in order to contest the elections as a joint force.

Was the United Arab List created solely to win seats after the threshold for the percentage of votes needed to secure representation was raised? Or will it also work to achieve grassroots unity in the struggle for Palestinian rights? This remains to be seen.

What is certain, however, is that Palestinian parties must come up with a new strategy if a sustained movement is to be created. Formal unity for the sake of winning parliamentary seats will not suffice.

مارتن لوثر كينغ وإرثه الجذري المغيّب

نُشر في الجمهورية

Martin-Luther-King

تحتفل الولايات المتحدة الأميركية في الاثنين الثالث من بداية كل عام بذكرى ميلاد زعيم حركة الحقوق المدنية ورجل الدين الأسود مارتن لوثر كينغ جونيور. أصبح هذا اليوم عطلة وطنية تلتزم بها الولايات الخمسون ويتم إحياؤها بإقامة الصلوات وإطعام المشرّدين. لم يكن «يوم مارتن لوثر كينغ» الذي حل في 19 من الشهر الماضي تقليدياً هذا العام، ولم يقتصر على العظات الطوباوية والمراسيم الاحتفالية، بل تحوّل إلى يوم احتجاج وغضب، إذ نظّم فيه الشباب الأميركيون الأفارقة تظاهرات حاشدة، جابوا فيها شوارع عشرات المدن الكبرى وأغلقوا الطرق الرئيسية وطالبوا باسترداد الإرث الجذري الذي خلّفه مارتن لوثر. هذا الإرث الذي دأبت الطبقة البيضاء الحاكمة، بشقّيها المحافظ والليبرالي، مدعومةً بالمنتفعين من السود والملوّنين، ومتّكئة على أركانها السياسية والمالية والإعلامية، على طمسه وتمييعه ضمن سعيها لـ «إعادة تأهيل» مارتن لوثر وتحويله، من ثائر ناضل من أجل انعتاقٍ كامل للسود والفقراء، إلى مجرد داعية لا عنف مهذّب وتمثالٍ محنّط، يسهل على الطغمة التي حاربته أثناء نضاله، التصالح مع رمزيّته بعد وفاته، وحتى تسخيره لإسكات السود والفقراء واحتواء سخطهم.

يحفل التاريخ الحديث بأمثلة على ثوار ومثقّفين لقي إرثهم الجذري المصير ذاته. فكم منّا يعلم، مثلاً، أن نضال الكاتبة والمحاضرة الأميركية هيلين كيلر لم ينحصر في التغلب على الإعاقة؟ فقد كانت، علاوة على ذلك، ناشطةً نسويّة واشتراكية، وعضواً في «منظمة العمال الصناعيين في العالم»، في وقت تعرّض فيه اليساريون في الولايات المتحدة إلى أعتى أشكال القمع والملاحقة. وشاركت كيلر في اعتصامات مناهضة لخوض الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، بالإضافة إلى دعمها للإضرابات العمالية وإصرارها على ربط مواجهة الإعاقة بتحقيق عدالة اجتماعية شاملة. أدى نشاط كيلر السياسي إلى تخصيص مكتب التحقيقات الفيدرالية ملفّاً لمراقبتها، وزعمت بعض وسائل الإعلام ومعارضو مواقفها السياسية آنذاك أن كيلر خاضعة للتضليل، وأن مواقفها ناتجة عن اطّلاع غير كاف. يتم التغافل عن كل هذه الفصول الهامة من حياة كيلر في معظم الأدبيات والأعمال الفنية المتخصصة بـ «تخليد ذكراها»، فلا تصلنا عنها سوى الصورة النمطية للفتاة البريئة، وأسطورة الإرادة الفردية التي قهرت الصمم والعمى بمساعدة معلمتها الطيبة.

وما تجاهل سيرة كيلر الجذرية سوى نموذج واحد على منهجٍ تتبعه الطبقات الحاكمة في تطويع الثوريين على هيئة تناسب أجنداتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن حالة مارتن لوثر تبقى الأكثر جدلاً واستعصاءً في التاريخ الأميركي الحديث، نظراً إلى أهمية الدور الذي لعبه وإلى تأثيره الممتد عقوداً بعد اغتياله.

تبدأ المفارقة في كون الرجلين الوحيدين الذين حظيا بشرف عطلة وطنية تخلد ذكراهما، قبل مارتن لوثر، هما كريستوفر كولومبوس وجورج واشنطن: أما الأول فقد كان رائد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق سكان أميركا الأصليين، وأما الثاني فقد كان مالك عبيد لمعظم سنوات حياته، ودافع عن ضرورة عدم التسامح مع أي تمرّدٍ يقوده العبيد ضد أسيادهم، كما قدم الدعم الاقتصادي والعسكري لملّاكي العبيد الفرنسيين لمساعدتهم في قمع الثورة التي اندلعت في هاييتي في العام 1791.

ولا تنتهي المفارقة بكون رونالد ريغن الرئيسَ الذي صادق على الاعتراف بـ «يوم مارتن لوثر» كيوم عطلة رسمية، وهو الذي دشّنت إدارته حملات المداهمات والاعتقالات العنصرية التي استهدفت بشكل انتقائي أحياء تسكنها أكثرية سوداء. أطلق ريغن على الحملة التي أعلن عنها في تشرين الأول/أكتوبر من العام 1982 عنوان «الحرب على المخدرات»، حرب لا تزال رحاها تدور في الغيتوهات وأحزمة الفقر السوداء لتطحن مجتمعاتٍ كاملة، ملقيةً بمئات آلاف الشبّان السود والملوّنين تحت عجلة عدالة جنائية لا تتوانى عن سحقهم بقوانين تبدو حيادية، ثم تزجهم خلف قضبان لا يخرجون منها إلا مع وصمة عار ترافقهم مدى الحياة. لم تكن مصادقة قائد «الحرب على المخدرات» على الاعتراف بيوم مارتن لوثر كيوم عطلة إلا إجراءً شكليّاً، بعد موافقة الأغلبية في الكونغرس على سن القانون، ولكن مجرد التقاء الاسمين، أحدهما قاد حرباً على العنصرية والفقر، بينما افتتح الثاني حقبة جديدة من الحرب على الفقراء والسود، مجرد هذا الالتقاء يولد أشد أنواع السخرية مرارةً، تماماً مثل وضع إسم مارتن لوثر في خانة واحدة مع كولومبوس وجورج واشنطن.

قد يسارع البعض للقول بأن محاولات السلطة الحاكمة تخليد ذكرى ثوار عظماء وتكريمهم وتحويلهم إلى رموز، لا ينبغي أن تقابل بالريبة وافتراض سوء النية، بل علينا التعامل معها كمحاولة إنصاف لمناضلين ظُلموا في حياتهم، وهاهي السلطة تمنحهم المكانة التي يستحقّونها. ولكن الواقع أن النخبة البرجوازية الحاكمة، خاصة في نظام كالنظام الأميركي، المرتكز على أسسٍ عنصرية ورأسمالية هي في صلب تكوينه، وتقويضها يعني بالضرورة إسقاط هذا النظام برمّته، هذه النخبة أذكى بكثير من أن تسلّم بالهزيمة. فحال شعورها بأزوف انهيار منظومة القوانين العنصرية التي تضمن لها الهيمنة والسيادة، تقوم بالتحضير لإعادة إنتاج هذه المنظومة ولكن بشكل أقل فجاجة وأكثر مرونة من سابقتها، مع أنها لا تقل عنها قمعاً وعسفاً. ومواجهة هذه المنظومة الجديدة تحتِّم شكلاً مختلفاً من المقاومة غير ذلك الذي عهدته النخبة الحاكمة في معركتها السابقة، فنجحت بالتالي بتكييف ذخيرتها وأساليبها لمجابهته. إعادة إنتاج القمع هي سمة مميزة لمختلف أنظمة السيادة البيضاء في تاريخ الولايات المتحدة. فالمستعمِرون البيض الذين وضعوا أول لبنة في صرح أمتهم المتحضرة، على إنقاض السكان الأصليين ودمائهم، انتقلوا إلى مرحلة استعباد الأفارقة الذين حُمِّلت بهم السفن المتجهة إلى «العالم الجديد». وحين أصبحت المحافظة على العبودية عبئاً مكلفاً على الدولة اليافعة، استبدلتها بمنظومة عنصرية أخرى هي قوانين جيم كرو، حزمة من القوانين العنصرية دخلت حيّز التنفيذ عام 1891، بعد نهاية مرحلة إعادة الإعمار التي تلت الحرب الأهلية، وشرّعت الفصل العنصري بين السود والبيض في الجنوب. وعند انهيار قوانين جيم كرو رسمياً في العام 1965، بفضل ثورة الحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر، وبفضل حركات التحرر السوداء الأكثر جذريةً في حينه، كان لا بد للنخب من تبني سياسة أخرى تضمن استمرارية تفوّق البيض، وتتمكن من التعمير أكثر من سابقتيها. تم انتهاج الحبس الجماعي، أو ما يصطلح على معرفته بـ«قوانين جيم كرو الجديدة»، نسبة لكتاب المحامية والباحثة الحقوقية ميشيل ألكساندر. تضم الولايات المتحدة حوالي 5% من سكان العالم وتحتجز في سجونها ربع سجنائه، معظمهم من الرجال السود والملوّنين. وليس السجن إلا أول فصول معاناة هؤلاء، الذين يُعامَلون كمواطنين من درجة ثانية بعد خروجهم من السجن، حتى لو لم تتعدَّ التهم الموجهة إليهم تعاطي الحشيش أو ارتكاب سرقات صغيرة.

تتجلى مرونة المنظومة الجديدة وذكاؤها باستنادها إلى قوانين تبدو حيادية، إلا أن التمييز العنصري الموثَّقوالمتجذّر في جهاز العدالة الجنائية الأميركي، يعني بالضرورة أن معظم الضحايا ينتمون إلى الشرائح الأكثر تهميشاً وحرماناً، أي السود، والملونين إلى حد أقل. ضحايا يصعب على «المواطن الصالح» التماهي معهم لأنهم يصدَّرون كجناة ومجرمين، إلى حد يدفع بعض قيادات حركة الحقوق المدنية والنخبة السوداء إلى التنصل من الدفاع عنهم، كونهم يروّجون لصورة سلبية للشاب الأسود في أعين المجتمع الأبيض.

وتمهيداً للعبور من نظام تفوّق أبيض شرّعته القوانين العنصرية الفظّة إلى نظام سيادة بيضاء يدّعي عمى الألوان ويطلي مخالبه بالشفافية، كان لا بد للنخبة الحاكمة من الاستعانة برمزية مارتن لوثر أثناء المرحلة الانتقالية، لمجابهة المد الأكثر ثوريّةً والمتمثل بمالكوم إكس، وحزب الفهود السود، وحركة «القوة السوداء». ومن ثم تم تحوير عباراته وصياغة تعاليمه في قالب جديد يلائم مشاريعها.

فنرى جل التركيز منصبّاً على خطاب «لدي حلم» الاحتفالي والمغرق في ورديّته، فيما يتم التعتيم على خطابات أخرى ألقاها كينغ مثل خطابه المناهض للحرب على فييتنام الذي ألقاه في نيسان/أبريل 1967، وأدان فيه المسوّغات المستخدمة للحرب، وأكد أن النضال من أجل المساواة في الداخل لا ينفصل عن النضال ضد حروب السيطرة والتوسّع التي تشنها الولايات المتحدة خارج حدودها.

حتى خطاب «لدي حلم» الذي حمل رسالة تصالحية ومعتدلة، وهي صفات تميز بها مارتن لوثر الشاب، قبل أن يتطوّر نضجه السياسي ووعيه الجذري في منتصف ستّينات القرن الماضي، تم اقتطاع أجزاء عديدة منه من سياقها العام وتحويلها إلى شعارات وإعلانات تسوّقها الدولة واليمين. فجملته الشهيرة «أحلم أن يأتي يوم يعيش فيه أطفالي الأربعة وسط أمة لا تحكم عليهم من خلال لون بشرتهم وإنما بأفعالهم»، يتم استغلالها من قبل اليمين الأميركي لرفض التفضيل المصحح باعتباره يتّخذ من لون البشرة معياراً، بتجاهل تام لسياق الفصل العنصري الذي وُلدت من رحمه هذه الأمنية.

يمنح الطابع السلامي الطاغي على الكثير من تصريحات مارتن لوثر الشهيرة فرصة لاستخدامها في حملات ترويجية لثورات «ملونة» مفرغة من أي بعد جماهيري واقتصادي واجتماعي، أو في حملات التنمية البشرية التي يطلقها أصحاب رؤوس الأموال لـ«مكافحة» الفقر والجهل، وغالباً ما يُزج باسم مارتن لوثر وغاندي في الجملة نفسها في مديح اللاعنف. ما يغفله هؤلاء هو أن مارتن لوثر توصل إلى الوعي بأن النضال الطبقي لا ينفصل عن نضال السود من أجل حقوقهم المدنية، وأنه لم يعتبر الفقر مشكلة فردية بل نتيجة سياسات الطبقة الحاكمة. هذا ما دعاه لدعم تمرد واتس الذي تفجر في ضواحي لوس أنجلوس السوداء في آب/أغسطس في العام 1965، رغم الطابع العنيف للاحتجاجات، مؤكداً حينها أن جوهر الاحتجاجات طبقي. وهذا ما حدا به إلى تنظيم مسيرة الفقراء التي سعت لخلق وحدة نضالية بين الفقراء من السود والبيض والملوّنين على أساس طبقي. وجاء اغتيال كينغ حين كان في أوج تحضيره لمسيرة الفقراء في العام 1968.

هذا، إذن، هو الإرث الجذري المغيَّب الذي دعا المتظاهرون والمتظاهرات في 19 كانون الأول/يناير الماضي إلى استعادته، مستفيدين من الزخم الذي أنتجه الحراك الاجتماعي الجديد الذي بدأ في التبلور في أوساط الشباب الأميركيين الأفارقة خلال الأشهر الستة الأخيرة.

لقد ساهمت جريمة قتل المراهق الأعزل الأسود مايك براون في ضاحية فيرغسن في ولاية ميزوري على يد شرطي أبيض في آب/أغسطس من العام الماضي في إشعال حراك شبابي اتّخذ من عنوان «أرواح السود مهمة» شعاراً له.

تجاوز الحراك ضاحية فيرغسن ليشمل مدناً عديدة في الولايات المتحدة، وليخلق أطر تنظيمٍ جديدة تحررت من وصاية قادة حركة الحقوق المدنية القدامى الذين أصبحوا جزءاً من النخبة الحاكمة، ورفع الحراك مطالب جذرية تتعلق بإنهاء الحبس الجماعي والاستغلال والإفقار. تعاظم زخم هذه الحركة بعد قرار هيئة المحلّفين في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بعدم إدانة دارين ويلسون، الشرطي الأبيض الذي قتل مايك براون، تبعه بعد أيام قليلة قرار هيئة المحلّفين بعدم إدانة رجال شرطة مدينة نيويورك الذين خنقوا حتى الموت الشاب الأسود إريك غارنر، بينما كان يصرخ «لا أستطيع التنفس».

يدرك الشبان المنغمسون في هذا الحراك أن عصر قوانين جيم كرو العنصرية لم ينتهِ، بل أعاد إنتاج نفسه بشكل مختلف وبوسائل قمع أحدث، كما ويدركون أن من يدينون مظاهراتهم أو أعمال الشغب التي يمارسونها، تحت مشجب اللا عنف الذي التزم به مارتن لوثر كينغ، هم أبعد ما يكون عن تعاليمه. وهذا ما دفعهم لرفع شعار استعادة مارتن لوثر.

ليس الاختلاف بين الشباب السود الذين يلقون الزجاجات الحارقة باتجاه رجال الشرطة، وبين رجال دين وسياسيين سود مقرّبين من الحزب الديمقراطي،  كآل شاربتون وجيسي جاكسون الذين يدينون رد فعل الشباب أكثر من إدانتهم لمسببات هذا الرد، ليس الاختلاف بين الفريقين حول أساليب النضال فحسب، كما إنه ليس نابعاً من فرق العمر. إنه اختلاف بين من يرى أن المنظومة بأسرها فاسدة وينبغي الإطاحة بها، وبين جيلٍ يعتبر جرائم الشرطة أخطاءً فردية، ويمارس وصايته الأبوية على المحتجّين، مستغلّاً شرعية التحدث باسم مارتن لوثر كينغ.

لذلك فإن تسليط الضوء على إرث مارتن لوثر كينغ الجذري ومحاولة استعادته ليس نبشاً لقبور الموتى أو مجرد صراع رمزي على ما للرمزية من قوة وتأثير. يتركّز الصراع ضد تدجين ثورة لم يكن الحصول على الحقوق المدنية إلا جزءاً منها، وكان مارتن لوثر كينغ نفسه هو الذي قال أن قانون الحقوق المدنية ليس إلا البداية.

إن إعادة إحياء إرث مارتن لوثر الجذري تمثل خطوة في استعادة التاريخ الذي تحرص النخبة على تشويهه، وتنصيب نفسها وكيلة حصريّةً له، حتى عندما نعتقد أنها هُزمت في إحدى معاركها.

Syria’s disappeared Palestinians

Published in Electronic Intifada

Palestinians who fled Syria protest in Gaza City in October 2013. (Ashraf Amra / APA images)

Palestinians who fled Syria protest in Gaza City in October 2013. (Ashraf Amra / APA images)

Aidah Tayem, a Palestinian woman from Yarmouk refugee camp near Damascus now living in the occupied West Bank village of Beitin near Ramallah, has gone through a lifetime of trials.

She was hardly seventeen when her father was imprisoned by Syrian security forces in Damascus during the 1980s for his affiliation with the Fatah party which had split with the government. She quickly became the head of the family, running her father’s business and supporting her younger siblings.

Among only a handful of Palestinian refugees in Syria who received permits from the Palestinian Authority to enter the West Bank, her parents were among the Palestinians who came there after the signing of the Oslo accords in the 1990s.

She appears incredibly tough but behind her stoic demeanor is a woman clutching at the straws of hope — the hope of kissing her eldest son, Oday.

Oday Tayem, a 21-year-old Palestinian refugee born and raised in Yarmouk, was detained by Syrian security forces in August 2013 during an evening raid on his home in Jaramana, southeast of Damascus. Oday was an activist — “peaceful” is the description emphasized to this writer by his friends — and contributed to relief work both in Yarmouk refugee camp and in other besieged areas. This is believed to be the reason for his arrest.

Since he was taken into custody, his family has yet to receive any confirmed news regarding his whereabouts. Aidah knows too well what it’s like to have a loved one languishing in political detention; after all, her father was imprisoned for ten years, most of them spent in the notorious Tadmor desert prison.

But it’s the scarcity of information that makes Oday’s absence even more excruciating. When Oday’s favorite song pops up on her phone, Aidah hangs on to his picture as tears well up in her eyes.

Aidah is among many women who, as Syrian journalist Jihad Asa’ad Muhammad writes, “do not seek consideration or sympathy from anyone. They ask for only one thing: to know the whereabouts of their forcibly disappeared loved ones.”

It is impossible to estimate the number of Palestinians detained in Syria. The Syrian government doesn’t provide any data regarding political prisoners. Neutral local or international monitoring and human rights groups, including the International Committee of the Red Cross, are not granted access to the numerous prisons and detention facilities across the country.

And many families keep quiet about the detention of their loved ones. They stay anonymous, fearing the repercussions and backlash of publicity both on them and on the prisoners.

The Action Group for Palestinians in Syria, a London-based monitoring organization founded in 2012, has documented the names of 756 Palestinians currently being detained and nearly 300 more missing.

Death under torture

The vast majority of prisoners documented are held in the various detention facilities run by the Syrian government, but some are detained by jihadist or armed opposition groups. One of those is Bahaa Hussein from Yarmouk, detained by Jabhat al-Nusra in late January for blasphemy.

The same group has recorded the death under torture of 291 Palestinians in Syrian government detention since the beginning of the Syrian uprising in March 2011. Each of them has a face and a story, but very few of them have made the news.

Among them is Khaled Bakrawi, a prominent activist and cofounder of the Jafra Association for Aid and Development, which works to improve conditions in Palestinian refugee camps in Syria.

A refugee from Lubya, Bakrawi was active around Palestinian refugee rights well before the uprising began and was shot by Israeli occupation forces in June 2011 during theNaksa Day march to the occupied Syrian Golan Heights. But after masses of displaced Syrians sought refuge in Yarmouk, he directed his efforts towards organizing humanitarian aid to them.

Bakrawi’s friends told me that he was arrested by Syrian security forces in January 2013 and his family learned of his death in September of that year. One of the most tragic aspects of death in Syrian prisons is that families are not even allowed to pay a final farewell glance to their dead and their bodies are not delivered back to them. Instead they are called up by security services only to claim the ID cards and the personal possessions of slain prisoners. Not only is it believed that Bakrawi was tortured to death, but his family and friends couldn’t even bury him or give him a proper funeral.

Unlike Bakrawi, Samira Sahli was not a known activist, but some details of her life are known from a profile published by the independent news site Siraj Press. A mother of four, Sahli regularly cooked for displaced Syrians filling Yarmouk’s schools back when the camp was still a refuge for people fleeing violence in neighboring areas. As siege intensified, she and her kids, like the 20,000 residents trapped inside the camp, relied on the sparse food aid sporadically allowed in.

According to Siraj Press, the 53-year-old was arrested at a government checkpoint while going to receive her food basket. Five months later, her family was informed of her death, making her the first Palestinian woman known to be killed in regime prisons since 2011.

“Tortured in the name of Palestine”

In an interview with The Electronic Intifada conducted via Skype, Abu Julia, a Palestinian activist who sought asylum in Germany at the end of 2013, where he remains, gave a glimpse into the horrors faced in Syrian regime jails.

The 29-year-old asked to be identified as Abu Julia in reference to the name of his first-born. When he was arrested by Syrian security forces, his daughter Julia was only five months old. He was arrested in October 2012 and released a year later, but there were moments when he thought he’d never live to see her again.

Abu Julia told the Electronic Intifada that he faced eighteen charges, the most serious of which was inciting against the state, as well as charges related to working in makeshift hospitals; sowing division and fueling chaos in Yarmouk camp; working with local coordination committees; making contacts with foreign agents and aiding the wounded.

“I was held in a detention center called ‘Palestine,’ which is a security branch established by Hafez al-Assad specifically for Palestinian factions in Syria,” he said, referring to the father of the current head of state. “That’s the most painful thing: being tortured in the name of Palestine.”

Abu Julia recalls being “welcomed” with a beating as soon as he entered the branch. He was placed in Cell One, which held 48 prisoners upon his entry. Detainees crammed in the 36-square meter cell reached as many as 120 in the hours before Abu Julia’s release.

“Following the first interrogation, which included beating with electric wires, I was told to forget my name. They handed me the number 16/1,” he recalled. “When you get in you lose everything: you lose your name, your confidence in people, in your family and in yourself. You lose your hope and love for life even though you hang on by the hope of returning to life.

“You are stripped of your feelings and turned into an animal who is only allowed to eat and drink, and even sleep is only permitted by a military order. Perhaps the only thing you don’t lose is your ability to dream while asleep.”

The decisive day of Abu Julia’s life came two days after his arrest. Following the interrogation in which he refused to make a confession, the interrogator ordered his torture for a week in the narrow corridors near the cells, he recalled.

“I was hung in the air several hours each day and I was subjected to whips and burns,” he explained in graphic detail. The physical torture was accompanied with cursing, such as being called “Palestinian dog,” and being told “we hosted you in our country and now you betray us, traitor.”

The week of torture in the corridors, in which Abu Julia remembers that at least six inmates were killed, was followed by another, longer round of torture after he refused to confess to any of the charges again.

As Abu Julia meticulously detailed what he went through, it was hard not to wonder how he actually coped with all of this.

Defiance

“You know what really made me survive? My Palestinianness. This feeling of being Palestinian is what helped me persevere throughout all of this. Somehow, Palestinians would be on the verge of death and remain defiant,” he said.

For Abu Julia, this feeling, this added “Palestinianness” he found after his detention was not a cliché but an actual harbor. “It was a kind of response we developed during times of need. We drew strength and solace out of being Palestinian. When we were tortured or faced the interrogator, we just reminded ourselves that we are Palestinian,” he added.

After ten months in the Palestine branch, Abu Julia was transferred to Adra, the central prison in Damascus, and when he was moved from the car that transported him to a military court that he saw sunshine for the first time in ten months.

“I spent nearly a month and a half in Adra before being released … and then I hugged Julia; she was able to walk and say baba and mama,” he recalled.

Even while telling his harrowing story, Abu Julia still cracked jokes. “I weighed 129 kg when I was arrested and was only 65 kg when I was released. This free diet is the only good thing that happened to me there,” he said.

Meanwhile, Ammar, Aidah Tayem’s son and Oday’s seventeen-year-old brother, is still hoping for his brother and best friend to get out.

“I’m waiting. Actually waiting for him is the only thing I’m doing.”

Waiting is the punishing ordeal to which thousands of Palestinians and Syrians are sentenced.

Israeli demolition of Palestinian woman’s home “a double crime”

Published in Electronic Intifada

The home of a single Palestinian mother in Lydd was demolished on 10 February. (Yotam Ronen / ActiveStills)

The home of a single Palestinian mother in Lydd was demolished on 10 February. (Yotam Ronen / ActiveStills)

A massive Israeli police force raided the Palestinian neighborhood of Bayarat Shannir inLydd, a city in present-day Israel, on Tuesday morning.

Armed to the teeth and accompanied by bulldozers, hundreds of police officers stormed the neighborhood and sealed all entrances. At 10am, the police demolished the home of Hana al-Naqib, a mother of four, saying that it was built without a permit.

Hana and her children, aged 7, 8, 14 and 15, were violently expelled from their newly-built home, as were the neighbors who came to support them.

Daoud, Hana’s eldest son, is used to being awakened by his mother every day at 7am for school. On Tuesday, however, it was police with rifles pointed at his face who pulled him out of his bedroom. Instead of going to school, Daoud and his siblings were thrown outside into the cold with their mother.

This comes less than two weeks after the partial demolition of another Palestinian family’s home in Lydd. Israeli bulldozers destroyed parts of Ahmad Dabbour’s home on 1 February, but the demolition was suspended after the family’s lawyer pointed out a legal flaw in the demolition order.

Some fifteen kilometers southeast of Tel Aviv, the historic Palestinian town of Lydd was the site of one of the worst episodes in the Nakba, Israel’s 1948 ethnic cleansing of Palestine.

In July of that year, some 50,000 Palestinians were driven out by Zionist militias and expelled to the West Bank. Many died from exhaustion and dehydration on the way.

A double crime

Ongoing demolitions of Palestinian homes in Lydd are part and parcel of right-wing mayor Yair Revivo’s war against the city’s indigenous Palestinians. But those who seem to be the most systematically targeted and pay the heaviest price are often women.

“Every demolition is a crime, but destroying the home of a single and unemployed mother who couldn’t even afford the money to hire a good lawyer is a double crime,” says social worker Samah Salaimeh. She is the director of Na’am, a feminist organization that works with Palestinian women who live in the central towns of present-day Israel.

“You cannot take away gender from this equation,” she said.

“Women like Hana are the easiest target of the Israeli authorities. They stand on their own against an entire army of police, bureaucrats and judges, with neither the money nor the power to stand any chance of winning,” Salaimeh told The Electronic Intifada.

Salaimeh herself was first prevented from entering Bayarat Shannir to stand with Hana and her children during the demolition as the police closed entrances to prevent solidarity actions in other parts of the city. She eventually managed to sneak in — and the scenes she witnessed were painful beyond description, she said.

“During the demolition, women and men were separated from each other,” Salaimeh explained. “Hana and her kids were watching their home being turned into rubble from a neighboring house. Her son Daoud collapsed after failing to prevent the demolition. How do you expect these children to lead a normal life after going through this?”

Insecurity

Hana al-Naqib’s home was built on land privately owned by her father and acknowledged as the family’s private property in the Israeli state registry.

“My family, neighbors and other generous people from the city provided me with the money to help build this home,” a weeping Hana told The Electronic Intifada.

“We moved [in] to it three months ago. It was the first time that the children could enjoy a semblance of privacy and stability, to have a place they could call home. But as you see, our happiness was short-lived,” she said.

Hana al-Naqib watched her home being demolished by Israeli police. (Yotam Ronen / ActiveStills)

Hana al-Naqib watched her home being demolished by Israeli police. (Yotam Ronen / ActiveStills)

After years of residing with the four children in one room in the house of a sibling, or living on rent which she couldn’t afford, Hana thought life had finally begun to treat her well. But now she has to brace her traumatized family for another round of insecurity.

“After they demolished the home, I tried to lift my children’s morale and motivate them to study harder and do well at school. But all the hopes of a better future that his home restored to them have been squelched and bulldozed along with it,” she said.

Speaking to a Palestinian radio station based in Nazareth, a spokesperson for the Lydd municipality denied that the demolition has anything to do with nationality, insisting that it targets all “illegal” construction regardless of whether the home belongs to a Palestinian or an Israeli family.

The home of Maha al-Naqib, Hana’s neighbor and a former opposition member in Lydd’s city council, is also slated for demolition. Maha strongly disagrees with the municipality’s explanation.

“Home demolitions in Lydd are a policy designed to target Palestinian citizens. These are people who have been living on this land way before 1948 but when they want to build or expand, the municipality refuses to give them permits on a racist basis,” Maha told The Electronic Intifada.

Apartheid

What is happening in Bayarat Shannir is a naked manifestation of Israel’s apartheid policies.

For twelve years, the Palestinian neighborhood has been encircled by a concrete wall, 1.5 kilometers long and four meters high, to separate it from the nearby Jewish colony of Nir Tzvi.

Sections of the wall were destroyed by unknown persons back in May 2013, echoing the actions of Palestinian activists who tear down sections of Israel’s wall in the occupied West Bank.

Israel’s response is similar on both sides of the green line marking the boundary with the occupied West Bank: police stormed Bayarat Shannir and carried out a series of arbitrary arrests.

Before July 2014, Bayarat Shannir was designated as “agricultural lands,” which gave a sweeping justification for the denial of building permits. That month it was re-designated as a residential area and a master plan was approved, providing residents with a window of hope.

“By carrying out this demolition at this time, when all that was needed to make the homes in [Bayarat] Shannir legal is a technical map drawn by the residents, the Lydd municipality sends an awful message to the residents,” Palestinian attorney Qais Nasser told The Electronic Intifada. Nasser has extensive experience with home demolition litigations.

He said that as far as he knew, the family has appealed to the district court, where the case was still pending when the municipality destroyed their home.

“The fact that the municipality destroyed the home without even waiting for the ruling of the district court tells you how arbitrary the demolition was,” Nasser added.

“On one day you hear the engineer of the Lydd municipality speak with beautiful and flowery words about equality and the need to involve Palestinian residents in decision-making and in the planning of their own neighborhood. But three weeks later, the same engineer approves of the demolition of a home even though there was absolutely no legal obligation to do so,” he explained.

The case of Hana al-Naqib illustrates how Israel uses ostensibly neutral laws as means to legitimize oppression and ethnic cleansing. And it is usually the most vulnerable groups — Palestinian women and those living in poverty — who are mercilessly crushed under the wheels of these laws.