كي لا ننسى: الشهيدات اللي “عيب” نحكي عنهن

كان يا ما كان
في سالف العصر والأوان
لحتّى كان

الحكاية عن صبيّة من قرية الرامة الجليليّة اسمها إخلاص كنعان..

إخلاص حصلت على اللقب الثاني بالكيميا واشتغلت وعاشت في أميركا أكثر من عشر سنين.

بصيف 1994، قرّرت إخلاص العودة لقرية الرامة لإقامة مراكز صحّيّة وثقافيّة. طموح إخلاص كان كبير. أكبر من المسموح. كانت تحلم تنهض بقريتها وبمجتمعها وتساعد الفئات المستضعفة والمهمّشة مثل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والعجزة. بتاريخ 8\7\1994، بعد أقل من ساعة على إجرائها مقابلة تلفزيونيّة تحدّثت فيها عن مشاريعها، انقتلت إخلاص. بتعرفوا من قتلها؟ أخوها حسام. أخوها اللي عاش معها بأميركا لمّا كان عمره 14 سنة. أخوها اللي كانت تحبّه أكثر من الدنيا كلها. أخوها اللي كان أصغر منها بـ17 سنة. أنهى حياتها بعشرين رصاصة. شو كانت جريمة إخلاص اللي استحقّت بسببها الإعدام؟ أخوها قال أنه أهله حرّضوه على قتلها لإنها كانت تلبس فساتين قصيرة. الواقع بيقول أنه إخلاص أُعدمت لإنها، ببساطة، أُنثى. تَنّورتها القصيرة أزعجت “الحمولة” بس اللي خلّى الحمولة تقيم عليها الحد كان تمرّدها. في بلادي، مجرّد طموح المرأة هو تمرّد.

لمّا قتلوا إخلاص، أماني من قلنسوة كان عمرها 4 سنين. أماني كبرت، وكبرت أمانيها. كبرت أكثر من المسموح. كان بدها تشتغل وتطلع من البيت بحرّيّة. رفضت أن أبوها يتحكّم بلبسها. هربت لملجأ للنساء المعنّفات لمّا أبوها هدّدها بالقتل. في بلادي، دفاع المرأة عن حياتها جريمة. في كانون الثاني 2009، قتلوا أماني. قتلها أخوها اللي كان عمره 15 سنة بعد ما أبوه أمره بتنفيذ حكم الإعدام. قتلها، مش ببندقيّة، إنّما بنصل سكّين حاد. 26 طعنة في الجسم. عم تسمعوا صرخات أماني وهي تستغيث “وينك يمّا وينك؟”؟ أنا كمان ما سمعتهاش. أماني ما لحّقتش تصرخ. أماني كانت نايمة بتختها لمّا أخوها قتلها. ويمكن الأم زغردت من الفرح لما بنتها انقتلت. شفتو؟ الولد “صار زلمة” وأتم المهمّة على أكمل وجه! مبروك.

اليوم، سجّلوها غياب. بنت من تل السبع في النقب كان المفروض تفيق اليوم الصبح وتغسّل وجهها وتفرشي اسنانها وتفطر وتروح على المدرسة زي أي بنت عمرها 15 سنة. بس هاي البنت مش زي أي بنت. مش مهم تعرفوا إسمها. المهم تعرفوا أنه في فلسطين، بعد يوم واحد من اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، أخ قتل أخته طعنا بالسكّين وبعدين اتّصل بالشرطة بفخر عشان يعترف بجريمته. يا ترى بأي سكّينة ذبحها؟ أكيد مش بنفس السكّينة اللي قسّموا فيها كعكة عيد ميلادها. شو جريمتها؟ يمكن إنها حبّت وشافت حبيبها وهي راجعة من المدرسة. في بلادي، الحب جريمة. بس لمّا البنت هي اللي تحب، طبعاً، الذكر مسموحله.

حكايتي رويتها، وبلهجتنا حكيتها. عن 3 بنات وأدهن المجتمع. 3 من شهيدات نكبة نساء فلسطين المستمرّة. النكبة اللي ولا حدا بيتجرّأ يحكي عنها. وفيه غيرهن مئات: إيمان وعبير ونسرين وأميرة ورندة ومايا وياسمين وأمل وهالة والقائمة تطول وتطول. هذول النساء ما استشهدوا بقصف إسرائيلي. هذول النساء قتلهن “رجال” من لحمهن ودمهن.

ممكن نسمع هاي القصص ونعمل حالنا ما سمعنا إشي. ممكن ندفن روسنا بالرمل ونعلّق عنفنا وقبليّتنا على شمّاعة الاستعمار والاحتلال والاستشراق ونلوم الكل إلّا أنفسنا. ممكن، وبصدق، ننتقد تواطؤ الشرطة الصهيونيّة بحصول هاي الجرائم وعدم محاسبة المجرمين. ممكن نظلنا عايشين بالوهم تبع إنّا إحنا شعب لله المختار وأُسطورة الصمود والنضال وإنه هاي “التصرّفات الفرديّة” ما بتمثّل مجتمعنا. ممكن نكمّل احتفالاتنا بانتصارات المقاومة وبواحدة من رصاصات الاحتفال الطائشة نقتل كمان إنسان بريء. ممكن نصمّ آذاننا ونغمض عيوننا ونعطي ضميرنا حبوب مهدّئة. بس فيه إشي واحد مش ممكن نعمله: ما منقدر نعفي حالنا من المسؤوليّة الأخلاقيّة بقتل أي امرأة فلسطينيّة على يد زوجها أو أبوها أو أخوها. الصمت كمان بيقتل، وصمتنا قتلهن.

بسنة 2012، وباسم “الشرف” و”الرجولة”، خسرنا شهيدات من الطّيرة والّلد والنّقب والخليل وبيت لحم وغزّة… نخب الوحدة الوطنيّة وكاسك يا فلسطين

نُشر في مدوّنة الصديقة عبير قبطي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s