المرأة والثورة في فلسطين: حلمي يقود خطاي

lakom  في ما يلي حوار معي لصالح موقع المنتدى الاشتراكي في لبنان (المنشور) حول دور المرأة والثورة في المنطقة بمناسبة يوم المرأة العالمي. شكراً للصديق وليد ضوّ وللأصدقاء في موقع المنشور.

وليد ضو: شهد الكيان الصهيوني خلال صيف العام 2011 حراكا اجتماعيا، ونظمت خلاله اعتصامات مفتوحة، وقد شارك فيه فلسطينيون وفلسطينيات حيث تعرضوا/ن لحملات عنصرية ودافعت عنهم/ن مجموعات إسرائيلية معادية للصهيونية، ما هي قراءتك لهذا الحراك، ولهذه المشاركة؟

بدور حسن: كان سقفُ توقّعاتي من هذا الحراكِ منخفضًا من البداية ولكنني قرّرتُ ألّا أتّخذَ أحكامًا مسبقة، فكان تشاؤمي حذرًا. شعرتُ أنّ هنالك أمورًا إيجابيّةً قد تنبثق عن الحراك وأنه قد يُحدث تغييرًا معيّنا في المجتمع الإسرائيليّ ولكنني لم أعتقد للحظة واحدة أن هذا التغيير سيكون جذريّا.

فقدتُ ثقتي بالحراك تماما عندما زرت خيم الاعتصام في تل أبيب. هذا الحراك هو حراك، بالأساس، صهيوني، باستثناء الخيمة التي أقيمت في جنوب تل أبيب ودعمت نضال اللاجئين الأفارقة والفلسطينيّين وخيمة ال48.

الحراك ليس صهيونيّا فحسب، بل تجاهل قضية أن إسرائيل هي دولة استعمارية، كيان غير شرعي. الهدف منه لم يكن تغيير نظام الفصل العنصري. الهدف من هذا الحراك كان تجميل صورة إسرائيل، يعني “مكياج”. انحصر في المطالبة بالعدالة الإجتماعية لليهود فقط. كما وأنه جغرافياً ركز على مدينة تل أبيب. لم أشارك في هذا الحراك. تفهمّت مسألة مشاركة بعض الفلسطينيّين في الحركة الاحتجاجية في البداية، ولكن بعد شهر صرت أنادي بشكل صريح لمقاطعة هذا الحراك لأنه لا يمثلنا وخاصة بعد الهجوم على غزّة عقب تفجيرات أم الرشراش (إيلات).

نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة في “إسرائيل” أثبتت أن هذا الحراك كان حراكا صيفيا عابرا وأثره كان محدودًا. لم تكن ثورة كما أرادها الكثيرون أو كما وصفوها.

في الوقت عينه، لا يمكن إنكار التأثر الذي أحدثه هذا الحراك في فتح فضاءات حوار ونقد داخل المجتمع الإسرائيلي وتقوية حركات اجتماعية مثل حركة دعم اليهودية العربية وحركات اجتماعية أخرى مناهضة لشركات رأسمالية مثل عميدار التي تضطهد الفقراء بما في ذلك الفلسطينيّين. ولكن مجددا، هذا التأثير كان محصورا وقصير الأمد.

يقدم الكيان الصهيوني نفسه للعالم الغربي، بأنه كيان “يحترم” حقوق المثليين والمثليات… أو ما يسمى (Pinkwashing) ما هو موقفك من هذه القضية؟

كمدافعة شرسة عن حقوق المثليات والمثليين وكناقدة للأحزاب الفلسطينيّة لتجاهلها هذا الموضوع ولعدم إثارتها في الحيّز العام، كما إن ادعاءات إسرائيل بما يتعلق بدفاعها عن حقوق المثليين والمثليات تزعجني كثيرًا.

أعتبرُ تشدق إسرائيل بما خص حقوق المثليين والمثليات هو تماما كتشدق نظام الأسد بالعلمانيّة. نظام الأسد ليس علمانيّا والنظام الإسرائيلي يستخدم حقوق المثليين والمثليات والمرأة كشماعة لتعليق جرائمه ضد الفلسطينيين.

نعرف أن الكيان الصهيوني يرفض بشكل مستمر طلبات الفلسطينيين والفلسطينيات المثليين والمثليات للجوء السياسي، ونعرف أيضا أن القانون الإسرائيليّ لا يحمي حقوق المثليين. بالمقابل المحكمة الإسرائيلية في عهد القاضية أهراون باراك- التي كانت ليبرالية (صهيونية)- وانشغلت بموضوع الدفاع عن حقوق المثليين والمثليات والاعتراف بالكثير من حقوقهم وحقوقهن.

في الوقت عينه، لا يمكن إنكار أن الكيان الصهيويني هو متقدّم نسبيّا فيما يخص حقوق المثليين والمثليات، حيث سجل تقدم هائل في العقود الأخيرة رغم محاولات تيارات صهيونية محافظة يمينية ومتدينة محاربة هذا التقدم.

ولكن دفاعك عن حقوق أقلية مضطهدة معينة لا يبرر اضطهاد شعب بأكمله، ولا يجعل من إسرائيل جنة للمثليين. فهنالك جرائم كراهية ترتكب ضدهم. بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة أن هنالك عدة ناشطين مثليين يساريين مناهضين للصهيونية في إسرائيل يرفضون محاولات إسرائيل لاستخدام حقوق المثليين لتبرير جرائمها وللترويج لشرعيتها فتجدهم يشاركون في مؤتمرات دولة وبمحافل عالمية متحدثين بصفتهم كمثليين وإسرائيليين للتوضيح أن إسرائيل لا تمثلهم وأنهم يرفضون هذه المحاولات جملة وتفصيلا.

لطالما شاركت المرأة الفلسطينية في مختلف جوانب المقاومة الفلسطينية، وقد قدمت تضحيات كبيرة في سبيل ذلك، في هذا الوقت يتوزع الفلسطينيون/ الفلسطينيات على ما يشبه ثلاث دول، الكيان الصهيوني، قطاع غزة، والضفة الغربية، بالإضافة إلى دول الشتات، السؤال الذي يطرح نفسه هنا ماذا قدّمت المقاومة للمرأة الفلسطينية؟

هذا سؤال متشعّب ويمكن كتابة كتب بخصوصه. للأسف، عند مناقشة هذه المواضيع يلجأ الكثيرون للتنميط والشعارات الفجة والفارغة. فبعضهم يقول أن المقاومة الفلسطينية نسوية وأن وضع المرأة الفلسطينية مثالي وأفضل من نظيراتها في الوطن العربي، والبعض الآخر يجيب بالعكس فيقول أن المقاومة همشت المرأة وأساءت لنضالها. كلتا الإجابتين تختزلان الواقع ولا تجسدانه.

المقاومة الفلسطينية المسلحة قبل الانتفاضة الأولى همشت دور المرأة إلى حد كبير. نساء مثل ليلى خالد ودلال المغربي كنّ الاستثناء الذي يثبت القاعدة. مشكلة النضال المسلح أنه يهمش إلى حد بعيد دور أولئك الذي لا يحملون السلاح أو لا تتوفر لديهم ولديهن القدرة على حمله. وأسلوب المقاومة الفلسطينية التي تمركزت خارج فلسطين لم يخدم المرأة كثيرا ولم يحدث تغييرات على مستوى وضع المرأة الفلسطينية داخل فلسطين. وكان هنالك فصل مستمر بين السياسي والنسوي وكأنهما أمران مختلفان.

الانتفاضة الأولى أحدثت ثورة حقيقية بما يخص المرأة. لم تعد المرأة أم الشهيد وأخت الأسير وزوجة المعتقل والمناضل فحسب بل أصبحت مناضلة أيضا، تنظم التظاهرات وتقود المجتمع في كل المجالات، في المقاومة والثقافة وإدارة المنزل بغياب الرجل وتربية الأولاد وأثبتت أنها قادرة على تقمص كل هذه الأدوار بنجاح. أثر هذا بدوره على المجتمع فأصبح المجتمع أكثر انفتاحا وأقل هرمية وبالتالي أقل أبوية، كان أقرب ما يكون إلى المجتمع الأناركي الذي أصبو إليه.

مع دخول حماس إلى الانتفاضة أصبحت تضع القيود على مشاركة المرأة. فجميعنا يذكر النساء اللواتي تعرضن للهجوم بماء النار لمشاركتهن بالتظاهرات. قيل للمرأة أن عليها الرجوع إلى مكانها الطبيعي “البيت” وطبعا هذا أيضا ساهمت فيه التحرشات الإسرائيليّة. أكبر عدو لحقوق المرأة الفلسطينية هو الاحتلال ولكن المقاومة أيضا قد تكون ذكورية في كثير من الأحيان. وهذه الذكورية لا تقتصر على الإسلاميين فالمرأة مغيّبة عن اتخاذ القرار السياسي ضمن إطار منظمة التحرير “العلمانية”. ولا يجب أن يغرنا مشاركة نساء مثل حنان عشراوي لأن هذا الأمر هو أيضا استثناء الذي يثبت القاعدة. وعندما نتحدث عن مساهمة المقاومة في ترسيخ حقوق المرأة، علينا ألا ننسى أن المرأة الفلسطينية ليست كيانا موحدا. هنالك نساء فقيرات ونساء ينتمين إلى الطبقة الوسطى ونساء برجوازيات، وهنالك أمهات وأرامل، ونساء تعرضن لقمع في أسرهن قبل أن يقمعن على يد الاحتلال وهنالك نساء ريفيات وحضريات… . وكل مجموعة تتأثر بالمقاومة بشكل مختلف وترى المقاومة بشكل مختلف. وضع المرأة في غزة يختلف عن وضع المرأة في الضفة ولوضع المرأة في رام الله يختلف عن وضع المرأة في الخليل.

دور المرأة في تظاهرات النبي صالح يختلف عن دورها في مظاهرات نعلين رغم أن كلتا القريتين في قضاء رام الله. ولكن المجتمع الفلسطيني عموما تحكمه الأبوية وجميع النساء الفلسطينيات تعرضن للقمع من قبل هذا النظام بدرجات مختلفة. الانتفاضة الثانية للأسف ألغت الكثير من التقدم الذي حققته الانتفاضة الأولى وبعدها نبعت حاجة لإعادة ترسيخ دور المرأة من جديد في المقاومة وفي المجتمع.

تجدر الإشارة إلى أن خطاب حركة فتح والسلطة الفلسطينية في حقوق المرأة – هذا الخطاب البرجوازي السخيف- لا يمثلني، كما لا يمثلني بالطبع خطاب حماس.

النضال النسوي والسياسي في جميع أنحاء فلسطين يجب أن لا ينفصل، والنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعليه أن لا ينفصل عن النضال ضد الاحتلال الأبوي الذكوري.

كثيرا ما انتقدتُ في تظاهرات عديدة لترديدي شعارات عن الثورة النسوية. مثل هذه الشعارات تزعزع أركان النظام الأبوي وتزعزع الاحتلال وتغيظه وهي ضرورية للتأكيد على أن الاضطهاد واحد ولا يتجزأ. القول بالتأكيد أسهل من الفعل فطالما نرزح تحت الاحتلال سيكون نضالنا الاجتماعي ونضالنا الجندري محدودا ولن يصل للمستويات التي نرغب بها، ولكن علينا أن نواصل الحركة النسوية الفلسطينية، فمجموعة “ثوري ع كل سلطة” التي تأسست في الجامعة العبرية في القدس على يد مجموعة طالبات فلسطينيات أثبتت أن النضالين يمكن توحيدهما. والمجموعة تشارك في تظاهرات ضد الاحتلال وأيضا تركز على مواضيع نسوية مثل العنف ضد المرأة وغيرها.

شهد العامان المنصرمان حراكا اجتماعيا في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، كان من مطالبه، بالإضافة إلى تحسين الظروف الحياتية والاجتماعية للفلسطينيين/ات، إنهاء الانقسام والاحتلال، وقد جرى مواجهته بعنف شديد سواء من قبل السلطة الفلسطينية أو من حركة حماس، وقد شاركت المرأة الفلسطينية في هذا الحراك بفعالية كبيرة، من هنا، ما هي الدوافع وراء هذا الحراك، والقمع الذي تعرضوا/ن له؟

هذه الحركات –على الرغم من قصر عمرها- توضح أمرا واحد أساسيا وهو نقطة انطلاقتنا: لا يمكن إسقاط الاحتلال بدون إسقاط الاستبداد الداخلي. نظاما حماس وفتح يمارسان الاستبداد والقمع والظلم والتسلط. بالإضافة إلى قمعها للحريات هي أيضا تشبه الاحتلال خاصة حين ينوبان عنه في تنفيذ أعماله القذرة باعتقال الفلسطينيين وقمعهم ومنعهم من التظاهر ناهيك عن الفساد المستشري.

الفلسطينيون يرزحون تحت الاحتلال ولكنهم ككل شعب آخر لديهم مطالب مشروعة بالعدالة الجتماعية والمساواة وحرية الرأي وأنظمة الاستبداد في غزة والضفة تمنعهم من تحقيق مصيرهم وليس إسرائيل فحسب.

القمع جاء لأن السلطة وحماس لا تختلفان كثيرا عن الأنظمة العربية ولا تحترمان حقوق الفلسطينيين وحريتهم.

أنا بالعادة أعارض المقارنة المطلقة بين حماس وفتح لاختلاف الوضع العام، ولكن النقطة المشتركة أن السلطتين لا تضعان مصلحة الفلسطينيين على سلم أولوياتهما.

السلطتان يجب إسقاطهما والحديث لا يجب أن يكون عن إنهاء الانقسام إنما عن إسقاط السلطتين.

* “حلمي يقود خطاي”: من قصيدة طباق، إلى إدوارد سعيد- من تأليف محمود درويش

One thought on “المرأة والثورة في فلسطين: حلمي يقود خطاي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s