قصة امرأتين

jana7(مترجم)

“كانت أفضل الأوقات، كما كانت أسوأ الأوقات، كان عصر الحكمة، كان عصر الحماقة، كان عهد الإيمان، وكانت حقبة التشكيك، وكان موسم الضوء، وكان موسم الظلمة، وكان ربيع الأمل، وكان شتاء اليأس، وكان لدينا كل شيء أمامنا، ولم يكن لدينا شيء أمامنا، وكنا نتجه جميعا مباشرة نحو الجنة، وكنا نتجه جميعا مباشرة في الاتجاه المعاكس – باختصار، فإن تلك الفترة كانت كالفترة الحالية، حتى أن جزء من السلطات الأعلى صوتاً، أصرّت على أن يتم اعتبارها، بالخير أو بالشر، أنها بالمقارنة الأفضل دائماً”*

كان هناك جنود أجانب يطلقون قنابل مسيلة للدموع، والرصاص المطاطي، والذخيرة الحية على محتجين غير مسلحين في فلسطين.

وكان هناك جنود محليون يطلقون الرصاص الحي وقذائف الهاون على المتظاهرين العزل في سوريا.

وكان هناك طائرات بدون طيار تقصف الأحياء السكنية في غزة، مدمرة أبنية بأكملها، دافنة الأطفال تحت الأنقاض.

وكان هناك طائرات الميغ تلقي براميل متفجرة على الأحياء السكنية في حلب، مدمرة أبنية بأكملها، دافنة الأطفال تحت الأنقاض.

تجري أحداث قصتنا القصيرة في قرية النبي صالح، قرية صغيرة تقع في شمال غربي رام الله في الضفة الغربية المحتلة، ويبلغ عدد سكانها ٥٠٠ نسمة، وبستان القصر، وهي ضاحية في مدينة حلب، ويسكن فيها ٦٠٠٠ نسمة.

في السابق لم يسمع بهما أحد وكانت تلحفهما طبقة من الظلمة، النبي صالح وبستان القصر صنعا لنفسيهما اسما كبيرا بفضل إصرار المظاهرات غير المسلحة التي ينظمها سكانها.

أطلق سكان النبي صالح أولى مظاهراتهم في كانون الأول ٢٠٠٩، للاحتجاج على التوسع الاستعماري المستمر، والسطو على الأراضي بواسطة جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومصادرة مصدر المياه الرئيسي في البلدة، عين القوس، بواسطة المستوطنة الاستعمارية في حلاميش. مذاك، وسكان النبي صالح يتظاهرون أسبوعيا ضد الاحتلال الإسرائيلي على الرغم من القمع الوحشي والذي لا يقتصر على القمع خلال التظاهرات. فقوات الاحتلال الإسرائيلي تشن حملات عسكرية ليلية وتعتقل تعسفا مواطنين من سكان القرية وهي وسيلة لترويع القرويين لترهيبهم بهدف حملهم على الخضوع.

ولم يشهد حي بستان القصر أولى المظاهرات الواسعة ضد نظام الأسد في حلب فحسب، ولكنها كانت من الأمكنة الأولى في سوريا حيث يهتف ويرفع المتظاهرون لافتات تنتقد انتهاكات ترتكبها مجموعات ثورية مسلحة.

كلمات هذه الأغنية، التي تتضمن عبارات تنتقد عمليات النهب والخطف التي يرتكبها عناصر في الجيش السوري الحر، ويردد المتظاهرون هتافات تطالب بالحرية وبإسقاط النظام البعثي، تجسد، كلماتها، بالفعل، التفكير النقدي والوعي الثوري الذي يميز المتظاهرين في بستان القصر، حيث يتكلم المتظاهرون بجرأة عن انتهاكات مجموعات ثورية مسلحة وبوجههم، في حين لا يتخلون عن جوهر الثورة. بستان القصر شهد واحدة من أكثر المجازر دموية في ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٣، حين عثر على أكثر من ٦٥ شخص أعدموا وأيديهم موثقة في نهر القويق.

أطفال النبي صالح وبستان القصر غالبا ما يقودون الهتافات في المظاهرات المتعاقبة. “لا أحد يخبرهم بما يقولونه”، يقول أحد الناشطين في النبي صالح. “أطفالنا ولدوا ضمن واقع حيث لا خيار أمامهم إلا المقاومة”.

وقد لا تفضل المنظمات المدافعة عن حقوق الأطفال واقع أن يقف الأطفال في فلسطين وسوريا في الخطوط الأمامية أو أن يرموا الحجارة على الجنود، مخاطرين بحياتهم، ولكن في هذا الجزء من العالم، ليس لدينا امتياز يسمح بالحفاظ على براءة الأطفال. فالطفولة الآمنة وغير المسيسة هي من الكماليات التي يُحرَم منها الأطفال.

المظاهرات الشجاعة والملهمة في النبي صالح وبستان القصر تتقاطع لناحية تعرضها لقمع شرس على يد الاحتلال الإسرائيلي وجيش النظام السوري على التوالي، ولكنها أيضا تحظى بتغطية إعلامية واسعة وأصبحت مقصدا لناشطين لدرجة أنهم يظهرون فيتشية تجاهها.

نريمان تميمي التي يبلغ عمرها ٣٧ عاما، هي امرأة من النبي صالح. وهي أم لأربعة أولاد، وكلهم يشاركون في تظاهرات القرية الأسبوعية، نريمان اعتقلتها القوات الإسرائيلية ثلاث مرات منذ عام ٢٠٠٩. زوجها وشريكها في النضال هو باسم تميمي، وهو مدافع كاريزماتي عن حقوق الإنسان ومنظم للاحتجاجات. باسم يلتزم النضال من أجل الحرية، الكرامة والمساواة في فلسطين التاريخية.

كل من باسم ونريمان يؤمنان بشدة بالمقاومة غير المسلحة. نريمان، هي أكثر من مجرد “زوجة باسم”. هي منظمة للتظاهرات، وتعمل مع منظمة بيتسيلم المدافعة عن حقوق الإنسان حيث تصور وتوثق المظاهرات في قريتها. في ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٢، وخلال تظاهرة في النبي صالح ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، نريمان صورت إطلاق النار المميت على أخيها، رشدي تميمي. رشدي، البالغ من العمر ٣١ عاما كان رقيبا أول في جهاز الشرطة الفلسطينية وأب لطفلة في الثانية من عمرها، وقد أطلق جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي عليه ثمانين رصاصة. بعد يومين، مات متأثرا بجراحه في مستشفى برام الله.

وكما لو أن خسارتها لشقيقها الحبيب لم تكن كافية، كان على نريمان أن تتعامل مع المأساة بعيدا عن زوجها باسم، والذي كان يقضي عقوبة بالسجن لمدة أربعة أشهر في سجن عوفر العسكري في ذلك الوقت. باسم اعتقل قبل ذلك بأربعة أشهر بسبب مشاركته في تظاهرة، وكان ذلك اعتقاله الثالث عشر، وقد حصل هذا الاعتقال بعد مرور خمسة أشهر على اعتقال سابق دام ١٤ شهرا في سجون الاحتلال. منزل نريمان وباسم هو هدف للتدمير بأمر مما يسمى “الإدارة المدنية” في إسرائيل- التي هي كل شيء إلا مدنية- وقد جرح أولادهما عدة مرات على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي. أثناء سجن باسم، كانت نريمان تواجه الجنود الإسرائيليين الذين كانوا اقتحموا منزلها عدة مرات، حيث فتشوا الغرف بوحشية، وروعوا الأطفال، وصادروا كمبيوترها المحمول. عام ١٩٩٣، باسمة، شقيقة نريمان، دفعها مترجم في محكمة إسرائيلية من أعلى الدرج، مما أدى إلى وفاتها. ورغم كل محاولات الاحتلال الإسرائيلي لسحق إرادة العائلة ومنعهم من الاحتجاج، ومع ذلك، يستمر صوت نريمان يصدح عاليا خلال التظاهرات. وعدستها، أيضا، لم تتوقف عن تسجيل جرائم إسرائيل.

مهى غرير، امرأة عمرها ٢٦ عاما من حرستا في ريف دمشق. تحمل إجازة في الأدب الإنكليزي، مهى هي شقيقة المدون البارز حسين غرير وأرملة الشهيد والناشط والمدافع عن حقوق الإنسان مصطفى كرمان. منذ بداية الثورة في سوريا. ساعدت مصطفى في كل المشاريع والمبادرات التي أطلقها. مصطفى التزم بشدة بالنضال من أجل الحرية، الكرامو والمساواة في سوريا. آمن مصطفى ومهى بقوة في المقاومة غير العنفية. “لا أخجل من القول أن مصطفى بنى شخصيتي”، قالت لي مهى. “بالنسبة لي، مصطفى هو أكثر من حبيب، كان داعما، ورفيقا وأخا. لا أريد الكذب والقول أنه كانت لي أحلام سابقة قبل الثورة، ولكن عندما اندلعت الثورة، شعرت بانتمائي إلى سوريا، وكان لي الكثير من الأحلام التي أردت أن أحققها مع مصطفى”.

في ١٦ تشرين الثاني ٢٠١٢، وخلال التظاهرة الأسبوعية في بستان القصر، سقطت قذيفة هاون على التظاهرة في وقت كانت فتاة صغيرة تغني للحرية. سقط عدد من المتظاهرين بين جريج وقتيل، ومن ضمنهم مصطفى. لقد قتل بعد بضعة أسابيع من زواجه من مهى. “كان يبعد عني ثلاثة أمتار حين سقطت القذيفة. لحظات قبل تعرضنا للقصف، طلبت من صديق أن يلتقط صورة لي مع مصطفى كما لو أن قلبي كان ينبئني بأنه على وشك الرحيل”، كما تذكرت مهى. “عندما أصبح الوضع الأمني أكثر خطورة، طلبت من مصطفى مغادرة البلاد. رفض في البداية، ولكنه وافق في النهاية بسببه حبه لي. وكان من المفترض أن تكون التظاهرة الأخيرة لنا في بستان القصر، لكن سوريا شعرت بأنني سآخذ معي أحد أغلى أبنائها، فضربتني به”.

كما لو أن فقدانها لحبيبها لم يكن كافيا، كان على مهى أن تتعامل مع مأساتها من دون شقيقها حسين، والذي اعتقلته قوات النظام السوري دون تهمة أو محاكمة منذ ١٦ شباط ٢٠١٢.

نريمان ومهى لا تعرفان بعضهما البعض، ولكن قصصهما تتشابه إلى حد مذهل. هذه الألفة ليست مصادفة غريبة، لأنهما تلخصان نضالات شعبيهما. فأحلامهما تحطمت وقلبيهما مزقهما نظامين فاشيين. حتى الآن، كثيرات هن النساء السوريات والفلسطينيات، مثل مهى ونريمان، يقفن شامخات ومتحديات.

* تشارلز ديكنز- قصة مدينتين

ترجمة الصديق وليد ضوّ
نُشر في موقع المنتدى الاشتراكي في لبنان – المنشور
المقال الأصلي

One thought on “قصة امرأتين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s