معركة الأمعاء الخاوية: من دمشق إلى كاليفورنيا

نُشر في موقع المنشور، ترجمة وليد ضوّ
نشرت جريدة سوريتنا نسخة أخرى، ترجمة شام داوود
English version

إضراب معتقلات سجن عدرا عن الطعام

strikeفي ١ تموز عام ٢٠١٣، بدأت مجموعة من المعتقلات السياسيات السوريات إضرابا عن الطعام في سجن عدرا المركزي بالقرب من دمشق. وفي رسالة حديثة نشرت علنا وجهت إلى النيابة العامة في محكمة مكافحة الإرهاب، أشارت النساء أنهن بدأن إضرابا عن الطعام حتى يتم منحهن محاكمة عادلة. والعديد من المعتقلات، ومن ضمنهن مسنات ونساء حوامل، طالبات جامعيات وموظفات، اعتقلن منذ مدة تتراوح بين أربعة وستة أشهر دون تهمة أو محاكمة. وجرى حرمانهن من الاتصال بأهاليهن ومن الرعاية الصحية اللازمة. ومن بين المعتقلات، طفل يبلغ عمره خمس سنوات، حيث يقيم هناك إلى جانب والدته. ومن المستحيل الحصول على معلومات موثوقة للاطلاع على أوضاع المعتقلات لأن النظام السوري يمنع وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات حقوق الإنسان من الوصول إلى المعتقلين|المعتقلين السياسيين|ات. وتشير تقارير مسربة من داخل السجن إلى أن حراس السجن هاجموا المعتقلات المضربات عن الطعام لقمعهن، في هذا الإطار لا يمكن التأكد من صحة هذه المعلومة على نحو مستقل. أعلن ناشطون سوريون يوم ١٥ تموز يوم التضامن العالمي مع المعتقلات المضربات عن الطعام في سجن عدرا، وفي السياق عينه بدأت ناشطات سوريات إضرابا عن الطعام في الأردن وباريس. بغض النظر عن عدد المضربات عن الطعام، يعد هذا العمل الشجاع عصيانا مدنيا تقوم به النساء السوريات للإضاءة على الأوضاع المرعبة التي تواجه المعتقلين في السجون السورية بشكل عام، وخاصة النساء. وهذا الإضراب يؤكد أن “نعي” النضال السلمي في سوريا كان سابقا لأوانه ومضللا. إضراب النساء عن الطعام هو أحد الأمثلة عن النضال غير العنفي الذي التزم به السوريين على امتداد ثلاثين شهرا. فالمظاهرات الشعبية الاحتفالية غير المسلحة المناهضة للأسد التي لا تزال تخرج كل يوم جمعة على الرغم من القصف والتدمير، والمبادرات الشعبية في المناطق المحررة ضد الطغاة الإسلاميين من جبهة النصرة وأمثالها، وإصرار الثوار السوريين على التحدث عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها مسلحون هي أبلغ دليل على التحدي والتفوق الأخلاقي للثورة. معتقلات سجن عدرا، والنساء اللواتي نظمن اعتصاما ضد الدولة الإسلامية في سوريا والعراق في مدينة الرقة، يثبتن أن النساء لا زلن في قلب النضال الثوري، على الرغم من حملة النظام الوحشي وعلى الرغم من عسكرة ومحاولة أسلمة الانتفاضة.

إضراب كاليفورنيا عن الطعام

في ٨ تموز من عام ٢٠١٣، رفض ٣٠ ألف سجين في كاليفورنيا وجبات الطعام، ولم يحضر ٢٣٠٠ سجين إلى صفوف السجن، في ما يمكن أن يشكل بداية أوسع إضراب عن الطعام في تاريخ الولايات المتحدة. وبحسب صحيفة لوس أنجلوس تايمز‬، انضم السجناء في ثلثي سجون الدولة وفي السجون الأربعة التي تمت خصخصتها إلى الإضراب عن الطعام في يومه الرابع. هذا الاحتجاج الذي نظمته مجموعة من السجناء للتضامن مع المعاقبين في السجن الانفرادي داخل سجن خليج بيليكان، بحيث يطالبون بإنهاء سياسة العزل إلى أجل غير مسمى لسجناء مشتبه بانتمائهم إلى عصابات. ويعيش ١٢ ألف سجين، أي ما يشكل ٧ بالمئة من مجمل السجناء في سجن كاليفورنيا، في فقر مدقع، وعزلة غير معروفة الأمد في الحبس الانفرادي وداخل وحدات سكنية شديدة المراقبة غارقة في الظلمة، ونوافذها ثقوب صغيرة، بحيث أصبحت “وطن” السجناء منذ عقود طويلة. بالإضافة إلى مطلب وضع حد للحبس الانفرادي، يطالب المضربون عن الطعام في كاليفورنيا بوضع حد لسياسة العقاب الجماعي، وتحسين نوعية التعليم، وتقديم طعام كاف ومغذ، بالإضافة إلى برامج إعادة تأهيل جديدة. ليست هي المرة الأولى التي ينفذ فيها السجناء إضرابا عن الطعام احتجاجا على الظروف غير الإنسانية والمهينة التي يعيشون في ظلها. في تشرين الأول من عام ٢٠١١، نفذ الآلاف إضرابا عن الطعام، ولكن على الرغم من أن هذا الإضراب لفت انتباه وسائل الإعلام المهيمنة والإدانة الواسعة للظروف التي يعانون منها، لم يتخذ أي إجراء ملموس على الرغم من وعود إدارة الإصلاح وإعادة التأهيل بما خص مراجعة شاملة لكل السياسات. بعض المدافعين عن هذه السياسات يرون أن السجناء “يستحقون” هذا النوع من المعاملة بسبب اشتراكهم، أو شراكتهم في عصابات السجون. ومع ذلك، يمكن اتهام أي سجين لمجرد التحدث مع عضو في عصابة مزعومة أو لحيازته لكتب يسارية متطرفة، أو لمجرد وجود وشم ما. تحديد الهويات والانتماءات داخل السجن، تتم من خلال مخبرين سريين وبحسب أدلة ظرفية. أكثر من ذلك، السجن إلى أجل غير محدد والعزلة المشددة يترافق مع تعذيب شديد للسجناء في خرق فاضح للتعديل الثامن للدستور الأميركي الذي يمنع على الحكومة الفيدرالية فرض عقوبات قاسية وغير إنسانية. للسجناء المعزولين وجوه‬، أصوات، وأسماء، وقصص موجعة تدوس عليها وسائل الإعلام التي تتعمد نزع المشاعر الإنسانية عنهم.

مايكل دوروغ، البالغ من العمر ٥٩ سنة، في السجن الانفرادي منذ ٢٥ سنة، المعتقل بسبب انتمائه إلى “عائلة السود”. ومنذ ذلك الحين، بقي مايكل في السجن الانفرادي بسبب كتابته البيانات القومية لهذه الجماعة. ويعاني مايكل من اكتئاب حاد ناجم عن العزلة الطويلة في السجن.

“في مرحلة ما تعلمون أن العزلة تؤثر عليك، ربما بشكل دائم. وهي تنطوي على عدة عوامل. من بينها العزلة نفسها. على مر السنوات، قطع السجناء أنفسهم، وأكلوا برازهم، ورموها على جسدهم، وفي بعض الحالات رموه عليّ. كبشر لا يتحدثون إلى أنفسهم بصوت مرتفع فقط- إنما يصرخون ويشتمون أنفسهم”، يقول مايكل، “كيف يمكن ألا تتأثر بهذا الجنون؟!” يتساءل.

في الواقع، نفذت ٣٩ بالمئة من محاولات الانتحار ضمن السجون الانفرادية في سجون كاليفورنيا، ويتضور العشرات الآلاف من السجناء من الجوع لوضع حد لهذا الظلم، وللقول كفى.

إضراب سجناء معتقل غوانتانامو عن الطعام

لن تنظم أية تظاهرة ضد اعتقالهم المستمر، ولن تنشأ صفحة على الفايسبوك للمطالبة بإطلاق سراحهم، لن تكون أسماؤهم على رأس الكلمات الأكثر تداولا على التويتر، ولن تضغط حكوماتهم على الولايات المتحدة لإطلاق سراحهم. معتقلو سجن غوانتانامو لن يتلقوا رسائل دعم من جميع أنحاء العالم، ليس فقط لأن قضيتهم غير عادلة وغير مستحقة ولكن لأنه لا زال ينظر إليهم كـ”ملوني البشرة، وإرهابيين ملتحين”. بدأ إضرابهم عن الطعام في السجن السيء السمعة في بداية شهر شباط للاحتجاج على مداهمة الجيش الأميركي لغرفهم، حيث احتجزوا أغراضهم الشخصية، وأهانوا القرآن.

السبب الأساسي الكامن وراء الإضراب كان استمرار اعتقال العديد من السجناء دون محاكمة وفشل الرئيس الأميركي باراك أوباما في الوفاء بوعده في إغلاق المعتقل. يوجد حاليا ١٦٦ سجينا في غوانتانامو، ٨٦ منهم معتقلين رغم تبرئتهم وبعضهم معتقل دون محاكمة لأكثر من عقد من الزمن. وقد شارك مئة سجين في الإضراب عن الطعام، ٤٥ منهم أجبروا على الخضوع للمعالجة الطبية، وهو عمل يعتبر تعذيبا. وتضامنا مع معتقلي غوانتانامو، وفي محاولة لتسليط الضوء على القسوة المطلقة للإطعام الإجباري، فإن الممثل ومغني الراب ياسين بي‬ خبر عملية الإطعام الإجباري التي تعرض لها أكثر من ٤٠ معتقل يوميا.

المعتقل الجزائري أحمد بلاشة، الذي اعتقل منذ ١١ عاما على الرغم من تبرئة ساحته منذ ست سنوات، وصف للبي. بي. سي.‬ عبر محاميه الآلام والمحنة التي يسببها الإطعام الإجباري، “في بعض الأحيان سببوا لي تقرحات في مجرى الدموع وعلى خدي. وتعمدوا إدخال الأنبوب في أنفي الأيسر لكنهم توقفوا عن ذلك”، يقول بلاشة في تصريح للبي. بي. سي. الإطعام الإجباري يؤدي إلى تقيؤ السجناء ولكن عليهم إخفاء ذلك، حتى لا يعمدوا مرة أخرى على إجبارهم على ذلك.

“أنا إنسان، ولست جواز سفر”

وفي رسالة مؤثرة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز‬، قال المعتقل اليمني سمير ناجي مقبل، الذي خرج من السجن بعد اعتقال دام ١١ سنة دون توجيه أية تهمة له ودن محاكمة: “أنا إنسان ولست جواز سفر، وأستحق أن أعامل على هذا الأساس. لا أريد الموت هنا، ولكن إلى أن يفعل الرئيس أوباما والرئيس اليمني المطلوب منهما، هذا الخطر أواجهه كل يوم”.

سمير الذي بدأ إضرابا عن الطعام منذ ١٠ شباط، وخضع هو أيضا لإجراء الإطعام الإجباري، في وقت كان يشارك في الإضراب عن الطعام، لخص مطالب جميع معتقلي غوانتانامو: “سأوافق على كل ما يتطلبه الأمر لأصبح حرا. عمري اليوم ٣٥ سنة. كل ما أريده هو أن أرى عائلتي من جديد وأن أؤسس عائلة”.

وكما وجه الرئيس أوباما رسالة مخادعة بمناسبة شهر رمضان إلى المسلمين في العالم، فإن ١٦٦ مسلما يستعدون لتوجيه رسالة أخرى بمناسبة هذا الشهر من السجن العسكري، تعبر عن توقهم للحرية وعن تسلحهم بالقوة بمواجهة خروق الأخلاقيات الطبية وانتهاكات الدستور الأميركي التي يتعرضون لها.

فلسطين المحتلة

بدأ خمسة معتقلين أردنيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إضرابا عن الطعام لمدة سبعين يوما. محمد الريماوي، وعبد الله البرغوثي، وعلاء حماد، ومنير مرعي، وحمزة عثمان احتجاجا على وقف الزيارات لهم. وعلى الرغم من الاعتصامات التضامنية الصغيرة مع الأسرى في فلسطين المحتلة والأردن، فإن حالتهم جرى تجاهلها من أغلب الجمهور، وتخلى عنهم النظام الأردني. الشرطة الأردنية فرقت بالقوة اعتصاما تضامنيا معهم. الإضراب عن الطعام استعمل المعتقلون الفلسطينيون كسلاح قوي للاحتجاج في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عام ١٩٦٩ حين نظم إضراب جماعي عن الطعام في سجن الرملة. وبفضل تضحيات وإصرار المعتقلين الفلسطينيين المضربين عن الطعام، تمكنوا بذلك من تحقيق بعض التحسينات لواقع السجون المروعة. الإضراب عن الطعام الجماعي الأخير في سجون الاحتلال الإسرائيلي أطلق في نيسان ٢٠١٢ وذلك بعد إضراب خضر عدنان عن الطعام، الذي أطلق سراحه بعد ٦٦ يوما على إضرابه وهناء الشلبي التي انتزعت حريتها من فكي الاحتلال بعد ٤٣ يوما على إضرابها. يهدف الإضراب الجماعي عن الطعام إلى تحقيق عدة أمور، مثل إنهاء السجن الانفرادي الذي يطال المعتقلين السياسيين، والسماح للزيارات لأهاليهم من قطاع غزة المحاصر. الإضراب الفردي عن الطعام لم يتوقف منذ ذلك الحين، لكن أغلبها لم يحقق تعبئة شعبية في الشارع، وأغلبها لم يكن فعالا. ومن الواضح أن الاحتلال الإسرائيلي لن يتراجع ويحقق مطالب المعتقلين الأردنيين والفلسطينيين المضربين عن الطعام بمعزل عن الضغط الشعبي والسياسي.

سجانون متعددون، قضية واحدة!

أفراد شجعان في بلدان عديدة يحاربون الظلم بأمعاء فارغة. فاليوناني الأناركي كوستاس ساكاس، الذي اعتقلته السلطات اليونانية دون محاكمة لمدة ٣١ شهرا، بدأ إضرابه عن الطعام منذ ٤ حزيران. كما بدأ الطالب والناشط الإيراني المعتقل أراش صادقي إضرابه عن الطعام منذ ١ حزيران احتجاجا على العنف الجسدي الذي تعرض له على يد حراس سجن إيفين.

هؤلاء الأفراد والمجموعات التي تقاتل ظروف السجن القمعية الذي يحكمه نظام معقد يواجهون ظروفا مختلفة، ولديهم مطالب مختلفة، واعتقلوا لأسباب متعددة. ولكنهم يشتركون في مطلب أساسي، إنهم يرفضون الإذلال وتجريدهم من كرامتهم. هم من يتعرض للاحتلال، وهم المهمشون ذوو البشرة الملونة، وهم المعارضون المضطهدون، وهن السجينات المهمشات. من بليكان، وغوانتانامو، ونفحة، وعدرا… ومن كل زنزانة مظلمة: هم المقاتلون من أجل الحرية، والانتصار يليق بهم!

One thought on “معركة الأمعاء الخاوية: من دمشق إلى كاليفورنيا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s