الشهيد هرمان والاس

”حبيبتي (ماريا)، كفكفي دموعكِ!
أنا لم أمُتْ.. إِنَّ من يرحلونَ وهم قابضون على النارِ المقدّسةِ بأصابعَ نحيلةٍ ومتشقّقةٍ لا يمكنُ أن يقال عنهم أموات.
دعيهم يحتفلوا ويتبادلوا أنخابَ انتصارِهِم على جسدي الكسيح، فهم لا يعلمونَ أنّي غادرت إمبراطوريّتَهُم المترهّلةَ، وأني أُقيمُ في محلّة أنقى وأرقى. أنا يا (ماريا) في مكانٍ لا تَحكُمُهُ قوانينُهم الشّائهةُ وقراراتُهم الزائفة ومكاتبهم المتكبّرة، مكانٍ لا تستطيعُ أحذيتُهم المُلمَّعةُ أن تطأَهُ كي تسحقَ بشراتِنا الدّاكنةَ وصدورَنا السّمراءَ وجِباهنا المتعرّقة، مكانٍ لا تنهشُ فيه براثِنُ العدلِ العسوفِ لحمَ الفقراءِ والمهاجرينَ والمُشرَّدينَ والعاهرات، إنه يا (ماريا) مكان يكفر بالحكم والتحكيم والحكّام والحكماء.

”حبيبتي (ماريا)،
سامحيني لأنّي رحلتُ قبلَ أن أعانقَكِ تحتَ ضوءِ قمر، وقبل أن أقبّلَ الشفاه اللواتي أنهكتهن الأربعون.. أربعون يا (ماريا)، أربعون من الانتظارِ والأملِ بمعجزةِ مسيحٍ جديد… لم يتسنَّ لنا أن نعيشَ في بيتنا الّذي صمّمته في زنزانتي الضّيّقة… ولكنّنا سنلتقي يا قمري ذات قمر، وسأُسمعك غزلي البذيء الذي حفظه لكِ خطّي الرديء في تلك العتمة. فإن افتقدتِني في الليل إلى ذلك الحين فانظري إلى السماء.

”السّيّدة (تيني)،
أنا أفهمُ ألمَكِ، ولكن جسدي ذوى قبل أن أخبركِ بذلك، وقبل أن أشكركِ لإيمانكِ ببراءتنا.
أنتِ تدركينَ كم من الظُّلمِ والغُبنِ فُرضَ علينا. لقد مكثتُ اثنين وأربعين عامًا وحيدًا في زنزانةٍ مرعبة، لم يُسمح لي بمغادرتها إلّا ساعةً في اليوم على أكثر تقدير، لا لأنني قاتل بل لأنّي كنتُ ناشطًا ضدّهم داخل السّجن، ولأنّ لونَ بشرتي كان الّلونَ الخطأ. تعرفين أننا لم نقتلْ زوجَكِ. بصماتُ القَتَلَةِ لا تشير لنا، ومحاكمتُنا كانت منافيةً حتّى للدّستورِ الذي يتشدّقونَ بقدسيّته.

”شقيقاتي الخمس،
فلْتكُنْ ضحكاتكنّ وضحكاتُ أطفالكنّ أبلغَ انتقامٍ لنا من العنصريّةِ الّتي سرقت أحلامَنا وخبزَنا وعرقَنا وحياتَنا، والتي عَجِزَت عن اغتيالِ حبّ الحياةِ في قلوبِنا.

”(روبرت) و(آلبرت)، رفيقيَّ المخلصينِ في درب الآلامِ الموحشة،
ليتني استطعتُ إقناع السّجانينَ أنَّ أصفاد أسيادهم لا تكبّل إلا أطرافنا. ليتني استطعت إقناعهم أن الشّمسَ التي تحجبها الأقبية الدّامسةُ تستمدّ النور من قلوبِنا وأرواحِنا. ليتني استطعت إقناعهم أنّ التّعذيبَ عبث على قشرة الروح، وأن كسْرَ الأضلاع لا يكسرُ الجبين، وأنّنا، على قسوة ما فعله بنا العبيدُ أتباعُ العبيد، كنا نضيء وكانت تغسلنا الملائكة.
لم أستطع إقناعهم بذلك، ولن تستطيع، يا (آلبرت). ولكنك ستنتزع حرّيَّتكَ منهم كما انتزعها (روبرت) قبل اثنتي عشرةَ سنةً، وكما انتزعتُها أنا قبل أُسبوع. فخبّئ يقينك.

”إلى اللقاء يا رفاقي.. في كونٍ أكثرَ عدلًاً.

”أنا حُرّ.. أنا حُرّ!“

— هرمان والاس (1942-2013)

louisiana

* اعتُقل (هرمان والاس) بتهمةِ السّطو المسلّح في أنغولا في ولاية لويزيانا الأميركية عام 1972
* انخرط مع (آلبرت وودفوكس) في حزب الفهودِ السّوداء الثّوري ضمن أوّلِ فرعٍ يفتتحه الحزب داخل السّجون
* بسبب نشاطهما السّياسيّ، اتُهم (والاس) و(وودفوكس) بقتل أحد الحرّاس. ورغم عدم دستوريّة المحاكمة وعدم توفّر أدلّة كافية، أُدينَ النّاشطانِ بجريمة القتل العمد وحُكمَ عليهما بالسّجنِ المؤبَّد الانفراديّ
* عام 1974 حُكِمَ على سجينٍ آخر (روبرت كينغ) بالسّجن الانفرادي طويلِ الأمد. وعُرِفَ مع صاحبيه بلقب ثلاثي أنغولا
* أُطلق سراح (كينغ) في العام 2001 بعد تبرئته وإلغاء الحكم الذي صدر بحقّه
* في 1 تشرين الأول 2013 قرّر القاضي في محكمة لويزيانا الفدراليّة إلغاء الحكم الصّادر بحقّ (والاس) لعدم دستوريّة محاكمته
* خرج (والاس)، المحتضر والمصاب بسرطان الكبد، لأوّل مرّةٍ إلى النّور بعد حوالي 42 سنةً في غياهب السّجن، ونُقل مباشرةً إلى العناية المكثّفة في مشفى نيو أورلينز
* بعد يومٍ واحد فقط طالبت النّيابة العامّة في لويزيانا بإعادة فتح القضيّة من جديد، غيرَ عابئةٍ بدنوِّ أجله ومُدّعيةً وجود ما يكفي من الأدلّة لإدانتهِ مرّةً أخرى
* توفّي (والاس) يوم الجمعة 4 تشرين 2013 بعد ثلاثةِ أيّامٍ على الإفراج عنه!

(والاس) ضحيّة أخرى من ضحايا الفاشيّة المقنّعة المعاصرة، التي تقوم شرعيّتها في جزء كبير على تمأسسها، وكأن ما كان منظّمًا بشكلٍ جيّد هو حتمًا مضمونُ العدالة…

هي ديكتاتوريّةُ المؤسّسة، البيروقراطية المحكمة التي تعملُ بنجاعةٍ على تيسيرِ حياة النُّخَب وتسهيل عمليات القمع وتجميلِها وجعلِ حياةِ المهمَّشين ركامًا طويلًا من الألم والمتاعب التي لا تنتهي.

يؤمل أن تبعثَ قصّةُ (والاس) وقصص الآلاف من ضحايا ديكتاتوريّة «سلطة القانون» على رغبةٍ جدية في مساءلة الذات ومساجلة المقولات السياسية التي تحرصُ النُّخب الثّقافيّة في منطقتنا العربيّة على ترديدها كالحقائق، متّكئةً على قيمِ الغربِ المتفوّق والمثال، في زمن الثّورات الشّعبيّة العارمة التي أطاحت بمفاهيم ومقولات من قبيل «حكم القانون» و«دولة المؤسّسات»… وكأن هذه الملايين من المسحوقينَ في كل مكان لم تثر من أجل تغيير جذريّ وملموس في واقعها المتردي، ولا من أجل الخبز والكرامة، ولا من أجل حقوق أكثر مادّيّةً وأقلَّ تخمةً بالشّعارات والأفكار الفارغة، كأنّ الجماهير التي تسكب دمها كل صباح بكرمِ من لا شيء ليخسره، ثارت من أجل «دولة المؤسّسات»، لا من أجل إنهاء الظّلم، ومن أجل «الدولة المدنيّة»، التي ستمكن النُخَب من تشديدِ هيمنتها وجعلِ أساليبِ قمعها أكثرَ حداثةً وتعقيدًا، لا من أجل تحطيم أنياب الدّولة الضّالعةِ في الرّقاب مرّةً وإلى الأبد.

5 thoughts on “الشهيد هرمان والاس

  1. مقال قرأته عدة مرات و لم تشبع منهنفسي و لم ترتوِ منه أحاسيسي بارك الله بك أختي بدور و لا زلت أقف موقف المذهول من روعة حروفك و بلاغة شعورك و صدق أحاسيسك أكتبِ رعاك الله أختاه

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s