عُدَي تَيِّم: سلسل الانتفاضتين

عدي

نُشر في موقع المنشور
English version

حين تصبح “فلسطين” فرعًا أمنيًا لاعتقال وتعذيب الفلسطينيّين، وحين يصبح أيُّ معتقلٍ فلسطيني مشروعَ شهيد، ومجرد رقمٍ عابرٍ لا يكترث له جلُّ من يدّعون مناصرة القضيّة الفلسطينيّة ومساندة الأسرى الفلسطينيّين، فاعلمي أنّكِ في “سورية الأسد”، حيثُ يقبعُ آلافُ الفلسطينيّين في الزّنازين الدّامسة والأقبية الموحشة دونَ أن تكونَ هنالك أيّة وسيلة لمعرفة مكان احتجازِ معظمهم، ناهيك عن استحالة الدّفاعِ عنهم، فلا يتبقى لذويهم وأصدقائهم غير التأرجحِ بين فكّي الانتظار المتوجّسِ والعجزِ القاتل متشبّثين بكلِّ ما أوتوا من أملٍ ضبابيّ. ومنهم من يفضّل التكتّم على أسماء المعتقلين لئلّا تؤدّيَ الضجّة الإعلاميّة إلى نتائجَ عكسيّة.

فكم من شابٍّ لم نعلم باعتقاله إلّا بعدَ ورود أنباء عن استشهاده تحت التّعذيب في سجون الطّاغية! وهل ثمّة ما هو أقسى وأكثرُ إيلامًا من أن تضطرَّ عائلةٌ للتّعتيمِ على اعتقال ابنها وعدم المطالبة العلنيّة بالإفراج عنه، خشيةَ أن يُلحقَ ذلك الضّررَ بها وبه؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر، استشهاد المخرج والممثّل الفلسطيني حسّان حسّان والناشط البارز خالد بكراوي، وكلاهما تم اعتقاله على أحد حواجز النّظام السّوري قرب مخيّم اليرموك، شكّلَ صدمةً للكثيرين ممّن لم يعلموا أنهما كانا معتقلين أصلاً.

قد لا تنجح الكتابة عنهم وإثارة الضّجّة حول اعتقالهم بإطلاقِ سراحِ المعتقلين، فالنظام السوري لن يلتفتَ إلى مدوّناتنا ومقالاتنا، ولن تقضَّ بياناتُ وتحذيراتُ المؤسّسات الحقوقيّة مضجعه قيد أنملة، لكن أقلّ ما يمكننا فعله للحؤول دونَ تناسي المعتقلين هو التحدّث عنهم باستمرار. فإنْ غيَّبت السجونُ أجسادَهم وغيَّب الإعلامُ التّقليديُّ وجوهَهم، علينا ألّا نسمحَ بتغييبِ قصصهم وأحلامهم وأسمائهم وصورهم. حتّى لو لم تتمكّن نداءاتنا وصرخاتنا من كسرِ قيودهم إلّا أنها ستضمنُ أن تبقى حرّيّتهم التي سُلبوها وهم يناضلون من أجل حرّيتنا أولويّةً لدى الثوار والمعارضة السياسيّة سواء على طاولة المفاوضات أو في صفقات تبادل الأسرى.

 عُدي تيّم هو واحدٌ من آلاف الفلسطينيين والفلسطينيات المعتقلين في سجون الأسد، ولا يزال مكان احتجازه غير معروف مذ اعتقلته جهةٌ أمنيّةٌ تابعةٌ للنظام، في التاسع والعشرين من آب الفائت من المنزل الذي كان يقيم فيه في مدينة جرمانا الخاضعة لسيطرة النظام.

وُلِدَ عُديّ في 12 أيّار/مايو من العام 1993، في مخيّم اليرموك، جنوب العاصمة السوريّة دمشق، لوالدٍ طُردت أسرته على أيدي الميليشيات الصهيونية من قرية الشجرة المهجّرة، ولوالدةٍ لجأت عائلتها إلى سورية من بلدة كفر كنا المجاورة لمدينة الناصرة إبّانَ النكبة الفلسطينية في العام 1948.  لم يكن عُديّ قد بلغ الثامنة من عمره بعد عندما شارك في اعتصام لدعم أهله في فلسطين المحتلّة، مع اندلاعِ الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وكان يرافقُ والدته يوميًا إلى خيمة الاعتصام في ساحة عرنوس وسط دمشق مردّدًا الشعاراتِ المناهضةَ للاحتلال الصهيونيّ والأغاني الفلسطينية الثورية. وبعد 11 عامًا على اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة، شاء عشقُ الحرّيّة الذي لا يتجزّأ أن يشاركَ عُديّ في الانتفاضة السوريّة أيضًا ناشطًا سلميًا وفي مجالِ الإغاثة. ويقول أحد الناشطين السوريّين الذين التقوا عُديّ، بدايةً في اعتصام ساحة عرنوس في العام 2000، ومن ثم خلال الثورة السورية: “عندما التقيته مجددًا أثناء الثورة لم أعرفه طبعًا لكنه ذكّرني بنفسه، وأخبرني أنه نفسه ذاك الطفل الذي كان يأتي مع أُمّه إلى خيمة الاعتصام. لا يمكنك تخيّل مقدار فرحي فقد شعرتُ كأنّه كان لديّ ولد ضائع ووجدته”.

عُدي، ومعه جيلٌ كاملٌ من الشباب الفلسطينيّ في سورية، أدركوا مبكرًا ما عجز عددٌ كبيرٌ من أيقونات اليسار الفلسطيني الصدئة والمناضلين السابقين عن فهمه، وهو أن الانتفاضة السورية –كالفلسطينية تمامًا- جاءت كي تطالبَ بالحرية والكرامة والعدالة، وأنّه لا يمكن لمن أيّدَ انتفاضة الفلسطينيين أن يخذل انتفاضة السوريين أو أن يقفَ على الحياد. ليست مصادفةً أن يقوم الذين هتفوا مطالبين بالحرية لفلسطين بالهتافِ مطالبين بالحرية لسورية، بل المفارقة هي إصرار الذين هتفوا لفلسطين، وحملوا السلاح في مقاومة الاحتلال، أن ينكروا على السوريين ثورتهم أو أن يصفوها بالـ “أزمة” والمؤامرة والحرب الأهليّة حتى عندما كان المتظاهرون السوريون يوزّعون الورودَ على رجال الأمن الذين كانوا يطلقون عليهم الرصاص! والمفارقة أن يدّعيَ من خذل ثورةَ السوريين منذ أن انطلقت سلميّةً في درعا أنّه كان سيدعم الثورة لو لم تحصل العسكرة! وأن يتباكى على “سرقة ثورة” قام بذمّها وتخوينها في يومها الأوّل!

عُدي، ومعه جيلٌ كامل من الشباب السوري والفلسطيني، اختاروا البقاء لاستعادة الثورة من المتسلّقين والأصوليّين عوضًا عن رثائها والتفجّعِ على سرقتها، وآثروا العمل بصمت لإغاثة سكّان الأحياء المحاصرة على السفر ومواصلة دراستهم والاستمتاع بحياة آمنة.

وبينما يستمر النظام السوري في احتجاز عُدي والكثير من الشباب الفلسطينيين والسوريين الذين نشطوا في مجال الإغاثة وعملوا على فكّ الحصار يستخدم تيّارٌ عريضٌ من الفلسطينيين، الذين لم يتذكروا أهالي اليرموك المحاصرين إلّا بعد مرور ستة أشهر على الحصار، خطابًا محايدًا يتعامل مع الأزمة في اليرموك كأنها أزمة إنسانية فحسب، متجاهلًا المسؤول الرئيس عن الحصار وعن استشهاد العشرات جوعًا ملقيًا اللوم على “الطرفين” ومتناسيًا الشباب الذين اعتقلهم النظام لمحاولتهم فك الحصار! لن تسمعي من معظم دعاةِ الحياد الزّائف من يساريين كلمةً عن الشهيد أنس عمارة، “رفيقهم” في الجبهة الشعبيّة الذي استشهد قنصًا على يد جيش النظام وهو يحاول تهريبَ المساعدات إلى مخيّم اليرموك في نيسان/أبريل الماضي! وهنالك من تبلغ بهم الوقاحةُ حدّ أن يرْثوا أنس وخالد بكراوي وحسّان حسّان وأحمد كوسا وشحادة الشهابي وآخرين، دون أن يذكروا في معرض الحديث أن هؤلاء استشهدوا على يد النظام. فـ “حيادهم” يقتضي التغاضي عن المجرم الأساسي واقتطاع الأزمة الإنسانية في سورية من سياقها السياسي وتجاهل انتهاكات أجهزة النظام الأمنية بحق المعتقلين والمطالبة بـ “إنقاذ اليرموك” مقابل الصمت عن باقي المدن والأحياء السورية التي يحاصرها النظام! هم أنفسهم ينادون بالحرية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال ويطالبون بتبييض السجون، ويغضّون الطرف عن المعتقلين الفلسطينيين في سجون الأسد ويتّهمونك بتجميل صورة الاحتلال الإسرائيلي عندما تذكّرينهم أن عدد الفلسطينيّين الذين استشهدوا تحت التعذيب في سجون النظام السوري خلال السنوات الثلاث الأخيرة يفوق عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا تحت التعذيب في السجون الإسرائيلية منذ العام 1967.

لا تختلف دموعُ والدةِ عديّ وهي تنظر إلى صوره، وتستمع إلى أغنية “طلّت البارودة” عن دموعِ أمهات الأسرى الفلسطينيّين في سجون الاحتلال. كما لا تقلّ قضية المعتقلين في سجون الأسد عدالةً عن قضية المعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني، ولكن ازدواجية المعايير لدى شريحة ليست بمحدودة من الفلسطينيين ومدّعي التضامن مع القضية الفلسطينيّة تجعلهم يدعمون نضال الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال ويصمتون عن المعتقلين في سورية.

لا يزال مؤيّدو النظام السوري الفلسطينيون والانتقائيّون ومدّعو الحياد عاجزين عن تحرير “فلسطينهم” من ربقة الاستبداد واستغلال ومتاجرة الطغاة التي أسقطها عُديّ وفلسطينيّو سورية مع أول صرخة “حرّيّة” انطلقت من حناجرهم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s