حكاية الشباب السوري الثائر

نشره موقع المنشور
English version

كانت مقاطع الفيديو التي حمّلها ناشطو تجمع “الشباب السوري الثائر” على قناتهم في موقع “يوتيوب”، كفيلة بمنحنا الأمل باس1266724_576049829125814_1369924856_oتمرار الحراك الثوري السلمي في سوريا، ودفعنا للوقوف بدهشة أمام قدرتهم على الخروج للتظاهر في قلب دمشق رغم إحكام النظام السوري قبضته الأمنية هناك. ولكن بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على آخر مظاهرة نظّمها التجمّع في العاصمة السورية أصبحت مقاطع الفيديو إياها تختصر المأساة التي ألمّت بالثورة السورية. وهي كذلك تذكير قاسٍ أن كثيراً من الأصوات التي ضجّت بالهتاف والغناء في تلك المظاهرات مطالبة بإسقاط النظام تم إسكاتها مرة وإلى الأبد.

لكن ماذا حدث للشباب الذين ساروا في تلك “العراضة الحمصية” في حي ركن الدين الدمشقي متحدّين قوات الأمن المنتشرة في المنطقة، مردّدين الأهازيج الثورية والهتافات المناصرة لأحياء حمص المحاصرة؟ هل كانوا يعلمون حينها أن تلك العراضة في 12 حزيران/يونيو 2013، ستكون آخر مرة يتمكنون فيها من التظاهر في حاراتهم بعد أن اعتادوا الخروج في مظاهرات أسبوعية؟ كم منهم سيبقى ليشارك في بناء وطن الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة الذي لأجله قام تجمع الشباب السوري الثائر ولأجله اعتقل واستشهد وهُجّر معظم أعضائه المؤسّسين؟

تأسس تجمع الشباب السوري الثائر في الأشهر الأولى من عمر الانتفاضة السورية على يد مجموعة من الشباب والشابات من حي ركن الدين شمال العاصمة السورية دمشق؛ مؤكداً ومحافظاً على هويّته كتجمّعٍ يساري ومدني ووطني. ولكن الرؤية التي حملها تجمع الشباب السوري الثائر لم تقتصر على المطالبة بالحرية والديمقراطية والدولة المدنية. ففيما دأبت المعارضة الليبرالية بمختلف أطيافها وجماعة الإخوان المسلمين على اختزال أهداف الثورة بصندوق الاقتراع وإقامة الدولة المدنية وتكريس اقتصاد السوق، قدّم تجمع الشباب السوري الثائر رؤية أكثر وضوحاً وجذريةً انطلاقاً من الحرمان والتهميش والإقصاء الذي يعاني منه السواد الأعظم من الشعب السوري.

نادى الشباب السوري الثائر بالحرية وبإسقاط نظام بشار الأسد وبفصل السلطات واستقلال القضاء. لكن ذلك لم يأت على حساب مطالبتهم بالعدالة الاجتماعية والتعليم المجاني للجميع والاستشفاء المجاني وحقوق المرأة بالإضافة إلى التزامهم بدعم القضية الفلسطينية وتحرير الجولان. وكان هذا جلياً من خلال بيانهم التأسيسي ومن خلال الهتافات واللافتات التي قاموا برفعها في مظاهراتهم، فقد رفعوا العلم الفلسطيني إلى جانب علم الثورة ورددوا أسماء الشهداء الفلسطينيين مع أسماء الشهداء السوريين وشهدت مظاهراتهم وجوداً نسائياً لافتاً ولم تنفصل مطالبتهم بالخبز والمازوت والحياة الكريمة عن مطلبهم بإسقاط النظام وتحقيق الحرية كما وأصروا دائماً على رفض الطائفية وترسيخ الوحدة الوطنية. “حرية آزادي، حرة يا بنت بلادي”، “لا سنية ولا علوية نحنا مطلبنا الحرية” و”بدنا المعتقلين” كانت شعارات حرصوا على رفعها في كل مظاهراتهم.

كما حاول تجمع الشباب السوري الثائر المحافظة على زخم الحراك السلمي والمدني مع انتقال الثورة التدريجي إلى العسكرة وآمنوا أنه يمكن للنضال السلمي والكفاح المسلّح السير يداً بيد إلا أن دعمهم لشرعية المقاومة المسلحة وحق السوريين في الدفاع عن نفسهم لم يحل دون انتقادهم الصريح لما اعتبروها أخطاء وانتهاكات ترتكبها جماعات المعارضة المسلحة.

ولم ينحصر حراك الشباب السوري الثائر في تنظيم المظاهرات في حي ركن الدين فقد شاركوا بتظاهرات بعض الأحياء الدمشقية الأخرى وشملت أنشطتهم توزيع المنشورات الثورية في دمشق وبخّ شعارات معارضة للنظام على جدران العاصمة. وقد شكّلت صفحتهم على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” منبراً لنشر بياناتهم بخصوص الأحداث السياسية الهامة. وهكذا قدّم الشباب السوري الثائر شكلاً مغايراً للمعارضة الوطنية، هذا المصطلح الذي تم تفريغه من محتواه وابتذاله بعد أن أصبح يراد به وصف قوى المعارضة المهادنة للنظام والعاملة تحت السقف المنخفض الذي يفرضه. ولكنّ طرح تجمع الشباب السوري الثائر كان طرحاً وطنياً أصيلاً دون الانتقاص من ثوريته مما جعله هدفاً مباشراً لأشد أنواع القمع والتضييق حيث قامت قوات النظام باعتقال وتصفية الكثير من مؤسسي التجمع بينما اضطر بقيتهم للخروج من سوريا خشية الاعتقال. وعلى الرغم مما تعرض له من ملاحقة وقمع بقي تجمع الشباب السوري الثائر أحد التجمعات المدنية القليلة في سوريا التي لم تسيطر عليها عقلية المنظمات غير الحكومية ولم يتمكن المال السياسي من تدجينها فقد كان مصدر تمويله الرئيس هو تبرّعات أعضائه.

رفض ناشطو الشباب السوري الثائر مراراً وتكراراً المساومة على رؤية التجمع ومبادئه في سبيل الحصول على تمويل خارجي. أما الفضائيات الخليجية، التي لم تكن تتوانى عن بث مقاطع لمظاهرات ذات طابع طائفي ومطالب التدخل الخارجي، غيّبت في تغطيتها المظاهرات التي كان ينظمها الشباب السوري الثائر على الرغم من قيامها في قلب دمشق. كانت تلك إحدى الضرائب التي دفعها التجمع نتيجة تمسكه بالاستقلالية ونبذ الطائفية ورفض التدخل الخارجي إذ كانت قناتهم على يوتيوب تشكل المساحة الوحيدة لعرض أنشطتهم.

إلا أن أحد أبرز مكامن الضعف التي اتّسم بها تنظيم الشباب السوري الثائر هو انحصارهم إلى حد كبير في رقعة جغرافية واحدة، ألا وهي ركن الدين باستثناء إنشاء فرع صغير للتجمع في مدينة حمص. لا شك أن ضمان موطئ قدم في حيّهم وكسب ثقة ودعم أبناء الحي كان ضروريّاً للغاية خاصة في المراحل الأولى من تشكيل التجمع إلا أن الإخفاق في الارتقاء بالمستوى التنظيمي وتجاوز حدود الحي أدى إلى الحد بشكل كبير من تأثير التجمع وانتشاره. مكمن ضعفٍ آخر كان من شأنه إطباق الخناق على التجمع هو مركزيته الشديدة واعتماده الكلّي على الأعضاء المؤسسين مما سهّل مهمة النظام في تقويض حراكه خلال زج الأعضاء المؤسّسين في السجون وتصفيتهم تحت التعذيب. أما ناشطو التجمع فلم يتّخذوا تدابير الأمان والحماية اللازمة فساهم تسرّعهم وقلة خبرتهم في جعلهم عرضة للوقوع بأيدي أجهزة الأمن بسهولة، وتفسر كل هذه العوامل اضمحلال نشاط التجمع على الأرض منذ النصف الثاني من العام 2013.

وجاءت الضربة القاصمة للتجمع عندما اعتقل سبعة من أعضائه في 30/12/2013 حين اقتحمت أجهزة الأمن البيت الذي اجتمع فيه الناشطون السبعة وألقت القبض عليهم جميعاً.

ومنذ تلك الليلة توالت الأنباء عن استشهاد الشبان تحت التعذيب فمن بين الشباب السبعة الذين اعتقلوا في تلك الليلة وصل خبر استشهاد ستة منهم.

أحد المعتقلين الذين استشهدوا تحت التعذيب هو رودين عجك، لاعب كرة سلة واعد لم يتجاوز الـ 21 من عمره بالإضافة إلى رفيقه عامر ظاظا الذي أُعلن عن خبر استشهاده تحت التعذيب في 1/12/2014. كان عامر ورودين، بالإضافة إلى رفيق ثالث في التجمع استشهد هو الآخر تحت التعذيب، قد غادروا سوريا في أيار/مايو من العام 2013، وأمضوا فترة وجيزة في مصر إلا أن التزامهم بالثورة وتعلّقهم بسوريا دفعهم للعودة القاتلة.

ما يزيد من فاجعة استشهاد هؤلاء الشباب المناضلين هو عدم القدرة على ذكر أسمائهم جميعاً حتى بعد استشهادهم بالإضافة إلى التعتيم الشديد الذي خيم على قضية اعتقالهم، إذ خشيت أسرهم أن يؤدي الإعلان عن اعتقالهم إلى إلحاق الضرر بهم، إلا أن التكتّم عن الخبر لم يشفع لهم هو الآخر.

تذكر تجمع الشبابا السوري الثائر الآن ليس نابعاً من مجرد حنينٍ إلى ما كانت عليه الثورة السورية في بداياتها أو تحسّر على سوريا التي كانوا يحلمون ببنائها. تذكرهم هو تحية متأخرة لطلاب وشباب يافعين دفعوا دماءهم ثمن الحلم بسوريا أفضل، وثمن النضال من أجل خلق بديل ثوري ووطني معارض للنظام لا يتبنى أجندة من شأنها إرضاء المعارضة الخارجية والإسلاميين. بديل يساري لا يخجل من يساريته.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s