هل مات ملك الملاعب الترابية حقًّا؟

Nadal

نُشر في موقع حِبر

«مات الملك.. عاش الملك». يبدو هذا التعليق محقًّا بعد مشاهدة اللاعب الصربي نوفاك دجوكوفيتش يُلحق هزيمة قاسية بخصمه الإسباني رافايل نادال، في الدور ربع النهائي من بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب.

ما حدث في 3 حزيران/يونيو 2015 ليس أمرًا اعتياديًّا فقد أحدث ما يشبه الزلزال في أوساط المهتمّين بكرة المضرب. سيعتبره الكثيرون نهاية عهد وبداية آخر، وستتصدّر أخباره جميع صفحات المواقع الالكترونية والصحف وشبكات التواصل الاجتماعي التي تغطّي مستجدات «الكرة الصفراء».

سقط نادال، ملك الملاعب الترابية!

بعد تحقيقه تسعة ألقابٍ على ملاعب «رولان غاروس» الترابية في العقد الأخير، وفوزه بسبعين مباراة لم تقابلها إلا هزيمة يتيمة وبتسع وثلاثين مباراة على التوالي منذ العام 2010، خرج نادال من ملعب «فيليب شاترييه» الذي يعشقه جريحًا ومهزومًا.

رافقت إشارات الاستفهام النجم الإسباني الحائز على أربعة عشر لقبًا في البطولات الكبرى «الغراند سلام» منذ بداية هذا العام، ولم تكن الأجوبة التي قدمها مقنعة أو مشجعة. بعد الموسم الماضي الذي لاحق فيه شبح الإصابة والمرض نادال مما أجبره على الغياب عن الملاعب خلال معظم النصف الثاني من الموسم، حاول ابن مدينة مايوركا العودة إلى مستواه المعهود مجددًا. تميّزت مسيرة نادال المدهشة بقدرته على العودة السريعة بعد الإصابات الصعبة التي تعرّض لها ولكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها. أعوامه التسعة والعشرون، وهو عمر يعتبر متقدمًا في تقويم كرة المضرب خاصة بالنسبة للاعب كنادال يعتمد بشدة على لياقته البدنية وسرعته، ألقت الأعوام بظلالها عليه وساهمت في جعل العودة والتعافي أصعب من أي وقت آخر.

ومع إخفاقه باستعادة مستواه الفذ فقد نادال ثقته بنفسه وقدرته على الفوز بالنقاط الحاسمة والمهمة خلال المباريات، وبموازاة ذلك لم يتراجع تصنيفه فحسب بل وأخذت «الهالة» التي أحاطت به على الملاعب الترابية بالتلاشي. كانت هذه أول سنة، منذ العام 2004، يعجز نادال فيها عن الفوز بأي من البطولات الأوربية التي تقام على الملاعب الترابية وتسبق بطولة فرنسا المفتوحة، ثاني البطولات الكبرى هذا العام. كما كانت أول مرة يبدو فيها اللاعب المعروف بروحه القتالية وصلابته الذهنية هشًّا وعديم الحيلة أمام لاعبين اعتاد هزيمتهم بسهولة في أعوامٍ خلت. ولكن كل هذا لم يكن كافيًا للاستنتاج بأن نادال سيُهزم في ذلك الجزء من العاصمة الفرنسية الذي حكمه بشكل شبه مطلق منذ العام 2005.

تمخّضت القرعة عن مواجهة مرتقبة بين نادال ودجوكوفيتش في ربع النهائي فيما لو تمكن اللاعبان من الفوز بمبارياتهما الأربع الأولى، وهذا ما حصل. بدا نادال بمستوى أفضل خلال تلك المباريات وأبدى ومضاتٍ من عبقريته التي جعلته أحد أعظم اللاعبين في تاريخ التنس، ولكن متابعته في المباريات ذاتها كانت كفيلة بملاحظة أنه ليس بأفضل أحواله حتى الآن. ليس نادال الذي نعرفه، ضرباته الأمامية القوية تفتقد بريقها المعهود والأخطاء المباشرة التي يرتكبها تبدو وكأنها لا تمت لنادال المتألق بصلة.

Serbia's Novak Djokovic clenches his fist after scoring a point in the quarterfinal match of the French Open tennis tournament against Spain's Rafael Nadal at the Roland Garros stadium, in Paris, France, Wednesday, June 3, 2015. (AP Photo/Christophe Ena)

الاختبار الحقيقي سيكون أمام نوفاك دجوكوفيتش، المصنف الأول عالميًّا والفائز ببطولة أستراليا المفتوحة، أولى البطولات الكبرى، في بداية هذا العام، بالإضافة إلى فوزه بست وعشرين مباراة على التوالي قبل مواجهته التاريخية مع نادال. ليس دجوكوفيتش أفضل لاعب كرة مضرب في العالم فقط ولكنه سيطر بشكل كامل على جميع البطولات المهمة التي خاضها هذا العام، تاركًا جميع منافسيه يلهثون خلفه وهو يتوَّج بخمسة ألقاب. أحرز دجوكوفيتش ثمانية ألقاب في البطولات الكبرى خلال مسيرته الاحترافية، أما البطولة الوحيدة التي يخلو منه درجه المعبّأ بالكؤوس فهي بطولة فرنسا المفتوحة. والعائق الأكبر الذي حال دون نيله اللقب المنشود في الأعوام السابقة كان نادال، فقد هزمه في مبارياتهما الست في رولان غاروس، وآخرها كان في نهائي السنة الماضية. ليس دجوكوفيتش هو أول المبتلين بـ «لعنة نادال» في بطولة فرنسا المفتوحة. عانى الكثيرون من هذه اللعنة طويلًا، أبرزهم السويسري روجر فيدرر الذي خسر أمام نادال خمس مرّات في رولان غاروس وحرمه الإسباني العنيد من الفوز بالبطولة الوحيدة التي كانت تنقصه حتى العام 2009. ابتسمت آلهة التنس لفيدرر أخيرًا هذا العام بعد أن أقصى السويدي روبين سودرلنغ نادال في الدور الرابع ممهّدًا الطريق أمام فيدرر لتحقيق اللقب الذي طالما حلم به.

بيد أن دجوكوفيتش كان يعرف جيّدًا أن الطريق نحو اللقب هذا العام لا بد أن تمر عبر رافا: لم تكن مباراة نهائي كما ينبغي لها أن تكون، بل مباراة ربع نهائي، ولكن الشعور هو أن المنتصر بمبارزة الوزن الثقيل هذه سيتخطى العثرتين المتبقيّتين في طريقه وسيفوز باللقب. توقّعها البعض معركة شاقّة كالعديد من المباريات التي جمعت الإثنين، إلا أن دجوكوفيتش حسمها لصالحه بواقع ثلاث مجموعات دون مقابل: سبعة أشواطٍ لخمسة وستة أشواط لثلاثة وستة أشواطٍ لواحد.

بعد مجموعتين متقاربتين قاتل فيهما نادال بضراوة، ظهر تدنّي مستواه وتفوّق دجوكوفيتش الواضح، تمكن الأخير من الفوز بالمجموعة الأخيرة وبالمباراة بسهولة. حاول الجمهور دفع نادال وتشجيعه خلال المباراة، مصفّقين بحرارة عقب كل نقطة يفوز بها، ومطلقين صرخة جماعية بعد فوزه بشوطه الوحيد خلال المجموعة الثالثة. لم يعهد نادال هذا التشجيع العارم في باريس من قبل، فعلاقته بالجمهور الباريسي لم تكن حارّة في بداية مسيرته، هذا لأنه تفنّن بقهر فتاهم المدلل فيدرر علاوة على رغبتهم بكسر هيمنة نادال. لكن الأمر اختلف هذا العام، إذ أن هشاشة نادال غير الاعتيادية وتفوّق دجوكوفيتش عليه حدا بالجمهور للتعاطف معه أكثر.

غير أن دعمهم لم يكن كافيًا لأن دجوكوفيتش كان اللاعب الأفضل ونادال كان بعيدًا كل البعد عن مستواه الحقيقي.

لم تنته البطولة بعد فعلى دجوكوفيتش أن يهزم الاسكتلندي آندي ماري يوم الجمعة المقبل، ومن ثم التغلب على الفائز في مواجهة نصف النهائي الآخر بين الفرنسي جو ولفريد تسونغا والسويسري ستان فافرينكا. من المتوقع أن يفعل الصربي ذلك وأن يكمل المهمة بعد تخطّي الحاجز الأصعب بنجاح، ولكن مع أهمية الإنجاز الذي حققه من الصعب ألا نتوقف قليلًا عند الخاسر نادال.

حين يُمنى الأبطال بهزيمة قاسية أو مصيرية، نسارع باستخلاص النتائج الجاهزة: ذاكرة الرياضة قصيرة وغير منصفة، لا ترحم العظماء حين يسقطون وتكتفي بتحليل المباراة الأخيرة ونسيان كل ما حققه الرياضي أو الرياضية من انتصارات سابقة. ولكن الهزائم القاسية أيضًا تمكننا من وضع الأمور في سياقها وإيفاء الإنجازات التي كانت تبدو بديهية حقها.

ما فعله نادال على الملاعب الترابية وفي رولان غاروس تحديدًا خلال العقد الأخير لم يكن بديهيًا وليس مفهومًا ضمنًا. لعل انتصاراته المتكررة والسهلة في معظم الأحيان وهيمنته شبه المطلقة جعلت ما يقوم به يبدو عاديًّا، لكن الحقيقة مختلفة. لم يهيمن أي لاعب أو لاعبة كرة مضرب في العصر الاحترافي للعبة على أي بطولة بالطريقة التي هيمن فيها نادال على بطولة فرنسا المفتوحة. ويُحسب لنادال أن هذه الهيمنة لم تكن لأن المنافسين ضعيفون بل لأنه ببساطة كان أفضل منهم جميعًا. تسهل الاستهانة بنادال الآن والتأكيد بأن نجمه قد أفل، ولكن الإسباني لم يقل كلمته الأخيرة بعد والأبطال الحقيقيّون كنادال قادرون على تحويل الخيبة إلى فرصة جديدة. وآخر ما قاله في المؤتمر الصحفي الذي تلا هزيمته، بعد إبدائه روحًا رياضية عالية ورقيًّا يتسم به في الفوز وفي الهزيمة: «لا أدري إذا ما كنت سأفوز مجددًّا ولكن الأمر الوحيد المضمون هو أنني سأعمل بجدٍّ أكبر كي أعود في العام القادم».

صحيح أن «ملك فرنسا» جُرِّد في يوم ميلاده التاسع والعشرين من تاجه وأُسقط عن عرشه، ومؤكدٌ أن أحدًا آخر سيرفع كأس الفرسان الثلاثة هذا العام، إلا أن الملك لم يمت بعد. لا يزال قلبه ينبض بشغفٍ بالمنافسة والفوز،، ولا تزال يده اليسرى قادرةً على إعادته للقمّة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s