خضر عدنان في إضرابه الثاني: ما تغيّر وما استمرّ

نُشر في موقع حِبْر

«ولدي خضر ليس عدميًّا أو هاوي معاناة ولا يبتغي مالًا أو جاهًا أو منصبًا رفيعًا»، يصرّ عدنان موسى، والد الأسير الفلسطيني المضرب عن الطعام خضر عدنان.

«هو يحبّ الطعام كثيرًا ويحرص على جودة الطعام الذي يتناوله وليس مستمتعًا بتجويع نفسه»، تردف نوال موسى، والدة خضر.

رأى الوالدان ضروريًا تأكيد ما قد يبدو بديهيًّا ونافل القول، أن ابنهما الذي طالما استخدم أمعاءه الخاوية سلاحًا لانتزاع حرّيته من سجّانيه، ليس طالب موتٍ أو عذاب، وإنما يستخدم هذه الوسيلة لثقته أنها الوحيدة المتاحة أمامه.

لماذا يُطلب من الفلسطينيين أن يثبتوا للآخرين أنهم ليسوا عشّاقَ موتٍ وأنهم يحبّون الحياة كسائر شعوب الأرض، وأن أفعالهم التي تبدو «انتحاريّةً» وبدون طائل تختزن قدرا هائلًا من الرغبة بالعيش بحدٍّ أدنى من الكرامة والحرية؟

قد يكون تشديدنا المستمرّ على غريزتنا الفطريّة بحب الحياة رد فعلٍ طبيعي على محاولات المنظومة الاستعماريّة تجريدنا من إنسانيّتنا والتي تكرّسها وسائل إعلام غربيّة كبرى من خلال تصوير الفدائيّين الفلسطينيّين كعشّاق موت وتهميش دوافعهم السياسية والدنيويّة والمادّية.

ولكن لتأكيد والدي خضر عدنان شغف ابنهما بالحياة بعدًا إضافيًّا يستهدف جميع أولئك المستهينين بفعله أو الذين ينتظرون استشهاد خضر كي يتحرّكوا، أو الذين يستهجنونه بوصفه فعلًا عدميًّا.

يدخل خضر عدنان شهره الثاني من إضرابه المفتوح عن الطعام احتجاجًا على تمديد سلطات الاحتلال الإسرائيلية أمر اعتقاله الإداري أربعة أشهرٍ إضافيّة. حين نتحدّث عن محاولات المنظومة الاستعمارية تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، فإن سياسة الاعتقال الإداري التي ورثتها سلطات الاحتلال الإسرائيلية عن حكومة الانتداب البريطاني وتنتهجها لاستنزاف المجتمع الفلسطيني ووأد مقاومته، تجسد انتزاع إنسانية الفلسطيني بإحدى أكثر صورها فجاجةً. ليس الاعتقال الإداري أسوأ أو أكثر ظلمًا من سائر أشكال الاعتقال الأخرى التي يمارسها الاحتلال ويغيّب عبرها أكثر من 5000 فلسطيني في سجونه. كما لا ينحصر أفق نضال الأسرى الفلسطينيين عند المطالبة بـ«محاكمة عادلة» أو توجيه اتهامات. نحن نعلم أن لا محاكمات عادلة يمكن أن تجري تحت الاحتلال حتى لو التزمت بجميع الإجراءات القانونية والمعايير الشكلية والجوهرية التي يفرضها القانون الدولي، ببساطة لأننا لا نعترف بشرعيّة الاحتلال ومحاكمه أصلًا، ولأن ما قد تعتبره القوانين الإسرائيلية والدولية جرمًا، هو حقّنا الطبيعي بالمقاومة. لكن ما يضاعف قسوة الاعتقال الإداري هو ضبابيّته المتمثّلة بقابليّة تمديده بشكل مستمرٍّ دون أن يكون هنالك أي تحديدٍ أو إطار زمني للخلاص. في السجن المؤبّد أو طويل الأمد يعيش المعتقل في ظل يقين ما، لا يبعث بالضرورة على التفاؤل، ولكنه يعرف مصيره. أما تحت الاعتقال الإداري الذي يجهل فيها المعتقل «التهم» الموجّهة إليه فليست هنالك إمكانية ولو ضئيلة للدفاع عن النفس إذ يُلقى بالأسرى وأهلهم في نفقٍ لا تلوح له نهاية، قد يستمرون بالسير فيه أعوامًا عديدة، ومن المرجّح أن يتكرر هذا الشريط بعد الإفراج.

وهذا تمامًا ما حدث مع خضر عدنان الذي أمضى ما مجموعه ستة أعوامٍ متفرّقة في سجون الاحتلال الإسرائيلي بدون أن توجَّه له أي تهمة رسمية. فلم يجد أمامه إلا الإضراب عن الطعام كي يسلّط الضوء على قضية الاعتقال الإداري خاصة وقضية الأسرى الفلسطينيين عامة، ولكي يطالب بخلاصه الفردي من جهة أخرى.

لم يكن التفاعل الشعبي مع إضراب خضر عدنان السابق الذي امتد من كانون الأول 2011 حتى شباط 2012 فوريًّا أو سريعًا إذا أن الحشد الجماهيري وحملات الضغغط الالكترونية لم تبدأ إلا بعد دخول ابن قرية عرّابة اليوم الخامس والأربعين من إضرابه.

يبدو الدعم الشعبي لإضراب خضر عدنان الحالي هزيلًا فيما إذا قورن بالنشاطات التي شهدها إضرابه الأول، بيد أن هذه المقارنة تغفل أنه حتى خلال إضراب عدنان الأول لم يرتقِ الحراك إلى مستوى الزخم الذي تدفعنا النوستالجيا إلى تلك الأيام لتصوّره.

قد يكون أهم ما أحدثه إضراب خضر عدنان الأول فضلًا عن انتزاع الأسير خلاله حرّيته في 17 نيسان 2012، أنه أطلق الشرارة التي أشعلت فتيل حراك كان الأسرى الإداريّون محوره. فقد تبعت إضراب خضر عدنان الناجح عدة إضرابات فردية كانت أبرزها تلك التي خاضها كل من هناء الشلبي وثائر حلاحلة وبلال ذياب، ومن ثم شهدت الحركة الأسيرة إضراب ما يقارب الألفي أسير. تركزت مطالب الإضراب الذي استمر من 17 نيسان إلى 15 أيار على وضع حد لسياسة الاعتقال الإداري وإنهاء العزل الانفرادي والسماح للأهالي من قطاع غزة المحاصر بزيارة ذويهم المعتقلين في سجون الاحتلال. مع توقيع اتفاق قضى بإنهاء الإضراب مقابل تحقيق مطالب الأسرى، لم تتحقق هذه المطالب إلا جزئيًّا، أما «تعهد» سلطات الاحتلال بإعادة النظر في سياسة الاعتقال الإداري فلم يُخرق فحسب، بل يمكن القول أن الاحتلال صعّد من ممارسة هذه السياسة. ففي آذار 2012، أي الشهر الذي سبق انطلاق إضراب الأسرى للمطالبة بإنهاء الاعتقال الإداري بلغ عدد الأسرى الإداريين في سجون الاحتلال 320 أسيرًا، بينما بلغ عدد الأسرى الإداريين في نهاية شهر آذار من هذا العام 412 أسيرًا.

استمرّت الإضرابات الفردية حتى بعد انتهاء الإضراب الجماعي في أيار 2012 إلا أن معظمها اتّسم بطابعٍ فرديّ وأخفق في الدفع إلى تحرك حقيقيفي الشارع الفلسطيني.

متعددة هي العوامل التي أدت إلى تراجع ملحوظ بنجاعة الإضراب عن الطعام كوسيلة احتجاج، لكن أبرزها هو تجريد الوسيلة من طابعها الجماعي وتحويلها إلى أداة فردية. فمع أن هنالك ظروفًا موضوعية وذاتية قد تساهم في إنجاح الإضرابات الفردية، إلا أن قوة الإضراب عن الطعام كسلاح لتحدّي السجّان تكمن في جماعيّته وامتداده إلى أكبر عدد من الأسرى بغض النظر عن انتمائهم الحزبي. المبالغة في خوض إضرابات فردية طويلة الأمد أو إضرابات تفتقد إمكانية موضوعية لتحقيق هدفها أو التعبئة الجماهيرية لم تضرّ بالأسرى المضربين فحسب بل أضعفت من تأثير الإضراب كوسيلة احتجاج ومنحت سلطات السجون الإسرائييلية الآليات الكافية لمواجهة أي إضراب مقبل. امتازت الإضرابات الفردية طويلة الأمد بتزويد الأسرى المضربين عن الطعام بفيتامينات ومواد مدعمة ضمنت خلالها سلطات الاحتلال بقاء الأسرى على قيد الحياة وبذلك تجنّب تفجر الغضب الذي قد يعقب استشهاد أحد الأسرى جراء الإضراب. لا تتعامل سلطات الاحتلال مع الأسير المضرب عن الطعام كإنسانٍ يناضل من أجل كسب حريته أو تحقيق مطالبه بل كقنبلة موقوتة يجب درء خطرها بأقل الطرق كلفةً.

يبدو من المجحف انتقاد الأسرى الذين لجؤوا إلى هذا النوع من الإضرابات الجزئية والفردية عن الطعام، فكيف يُلام أسير على اللجوء إلى أسلوب المقاومة الوحيد المتوفر أمامه؟ إلا أن العوامل المذكورة تساعدنا على فهم تراجع فعالية الإضرابات عن الطعام وافتقادها قسطًا ليس ببسيط من المصداقية والتأثير.

وهنا يختلف إضراب خضر عدنان الثاني، فعلاوة عن كونه إضرابًا كاملًا لا يتناول فيه ابن الـ37 ربيعًا إلا الماء والملح (ومؤخرًا قام بتصعيد إضرابه فأصبح يرفض تناول أي شيء سوى الماء)، يحظى عدنان بإجماع واسع في أوساط الفلسطينيين على اختلاف توجهاتهم السياسية.

لم يركن عدنان بعد الإفراج عنه إلى بيته وعمله في مخبزه في عرّابة، بل كان حاضرًا باستمرار في معظم الفعاليات والتظاهرات الداعمة للأسرى أو المناهضة للتطبيع والمفاوضات. بعد أيام قليلة فقط من الإفراج عنه، شارك خضر عدنان بإضراب استمر 11 يومًا دعمًا للأسرى المضربين عن الطعام ودأب على زيارة عائلات الأسرى والشهداء برفقة زوجته رندة. تذكر رندة التي تأخذ على عاتقها الآن مسؤولية إدارة المنزل وتمثيل زوجها إعلاميًّا أنهما قاما بزيارة أكثر من 500 عائلة أسير وشهيد على امتداد الضفة الغربية منذ إطلاق سراح خضر، وتضيف أنه حال انطلاق أي مظاهرة لدعم الأسرى كان يسارع في العودة من عمله في المخبز لكي ينضم إلى المتظاهرين والمتظاهرات.

يُحسب خضر عدنان على حركة الجهاد الإسلامي، غير أنه ضمِن احترام ومحبّة شبّانٍ وشابّات ينتمون إلى تيارات فكرية مختلفة. ولا شك أن شخصيته القيادية البارزة وشعبيّته جعلت منه خطرًا ليس فقط بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي بل بالنسبة للسلطة الفلسطينية أيضًا. حين سألت والد خضر عدنان عن سبب الصمت النسبي في الضفة الغربية تجاه قضية خضر عدنان، رغم ما يكنه له الناس من تقدير واحترام، أجاب بدون تفكير: «الخوف». – «تقصد الخوف من إسرائيل؟» – «لا، الخوف من السلطة الفلسطينية، التي حاولت ركوب قضيته حال الإفراج عنه لكنها سرعان ما وجدت فيه تهديدًا، ففي حين أن خضر يدعم المقاومة بجميع أشكالها، السلطة الفلسطينية تدعم التطبيع بجميع أشكاله»، يقول المسن الذي على الرغم من تجاوزه الـ78 من عمره، لا يزال يجري من مظاهرة لأخرى ومن مؤتمر صحفي إلى آخر من أجل دعم ابنه وكافّة الأسرى.

«تلقّينا اتصالات ورسائل دعمٍ من حلب، من أناسٍ يعيشون تحت القصف، ومن حمص ومخيم اليرموك ودمشق. تلقينا رسائل دعمٍ ن الولايات المتحدة ومن إيرلندا، أحفاد شهداء الإضراب عن الطعام في سجون الحكومة البريطاني»، يقول والد خضر عدنان، «إلا أننا لم نتلقَّ ولو كلمة دعمٍ واحدة من قادة السلطة الفلسطينية أو من وزارة الأسرى التابعة لها».

في ظل الغياب المتوقّع لدعم السلطة الفلسطينية، التي لاحقت أجهزتها الأمنية خضر عدنان عدة مرات بعد الإفراج عنه، تزداد المسؤولية المنوطة بالشباب الفلسطيني بمختلف أطيافه وأماكن تواجده لدعم خضر عدنان في إضرابه.

حين كانت معالي ابنة الأعوام الأربعة تُسأل قبل ثلاث سنوات عن سبب إضراب أبيها، كانت تجيب أنه مضرب لكي يتمكن من رؤيتها ورؤية شقيقتها بيسان، والتواجد بقرب والدتهما الحامل حينها بشقيقهما عبد الرحمن. كبرت معالي اليوم واختلف جوابها: «أبي مضرب كي يحصل على حريته ويدافع عن حقوق الأسرى». غنيٌّ عن القول أنها تستخدم كلمات أكبر من عمرها فالتمتع بـ«طفولة عادية» هو ترف حُرم منه أبناء خضر عدنان الستّة.

حكاية خضر عدنان مع الاعتقالات والملاحقات تعود إلى العام 1999 حين كان طالب رياضيّات في جامعة بيرزيت واعتقل لأول مرة من قبل قوات الاحتلال. تلت هذا الاعتقال اعتقالات عديدة، من بينها اعتقالان على يد أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. يدرك خضر ورندة أن الإضراب لن يضمن ألا يتم اعتقال خضر مجدّدًا ولكن على الرغم من خوف العائلة الشديد على سلامة خضر، فهم واثقون بأنه سينجح في انتزاع حريته كما فعل في المرة السابقة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s