الخطيب والهجوم على المثليين في فلسطين: عن الإقصاء واختيار المعارك الأسهل

140615_shh_00_13

منذ أسبوعين، أطلق الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الشق الشمالي للحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة العام 48، هجمة على مثليي ومثليات الجنس والمدافعين عن حقوقهم، من خلال صفحته الرسمية على «فيسبوك» والتي يتابعها أكثر من 11 ألف مستخدم.

يختتم كمال الخطيب منشوره الذي أعادت مواقع عديدة نشره بالتالي: «اللافت أن جمعيات مشبوهة من بلادنا وصحف صفراء وكتاب مأجورين راحوا يروجون لهذا الشذوذ، لكل هؤلاء لا أقول بالرفاه والبنين، وإنما أقول لهم بالشقاء والأوباء والإيدز يا شاذين! وقرف يقرفكوا».

لكن المشكلة تتعدى ما كتبه كمال الخطيب وتمثّل نمطًا من التفكير لا يتورّع عن استخدام العنف والقوة لفرض هيمنته على الفضاء العام في فلسطين وتغييب كل من يخالفه الرأي بالتهديد والتحريض تارة، وبالسلاح تارةً أخرى، موظّفًا في ذلك منابر الجوامع وصفحات التواصل الاجتماعي على حدٍّ سواء، ومنصّبًا نفسه الوكيل الحصري للقيم والأخلاق.

لا بد إذن ألا يقتصر ردنا على ما كتبه الخطيب بل أن يشمل جميع القوى والأحزاب الوطنية والـ «تقدمية» في فلسطين التي لم تتفوّه بكلمة واحدة أو اكتفت بردودٍ خجولة، مغلّبةً بذلك حساباتها السياسية ومصالحها الضيقة على الدفاع عن الحريات الفردية، خاصة وأن الاعتراض على استهداف المثليين قد يكون مكلفًا وغير مستحسن.

ولكن قبل مناقشة تبعات ما كتبه كمال الخطيب ونقد الردود التي أثارها، علينا التوقف عند بعض الادعاءات التي أوردها الشيخ في خطبته الفيسبوكية.

يكتب كمال الخطيب مستهجنًا تصويت الإيرلنديين لتشريع زواج المثليين: «إنها المجتمعات الغربية وقد وصلت إلى أسفل سافلين، حتى أن الشعب في إيرلندا قد صوت في استفتاء شعبي يوم الأحد الأخير بنسبة ٦٢٪ للسماح بزواج المثليين».

ليس واضحًا كيف استنتج كمال الخطيب أن تصويت الإيرلنديين يدل على أنهم وصلوا إلى «أسفل سافلين» وما هو أسفل سافلين بالنسبة له. لعل الشيخ نسي أو تناسى أو خفي عنه أن المجتمع الإيرلندي الذي اتهمه بالانحدار إلى أسفل سافلين و «بالترنح أمام انحطاط أخلاقي» هو من أكثر المجتمعات تأييدًا للقضية الفلسطينية ولقضايا المقهورين والمناضلين من أجل التحرر الوطني. التظاهرات التي شهدتها إيرلندا «المترنحة أمام الانحطاط الأخلاقي» نصرة للأسرى الفلسطينين (وبينهم الشيخ خضر عدنان الذي شبهه الإيرلنديون بشهيدهم بوبي ساندز) ومناهضةً للعدوان الصهيوني على غزة كانت أكبر من جميع المظاهرات التي جرت في أي بلد عربي أو إسلامي.

ويجدر الذكر أن من بين أبرز المنخرطين في حركة التضامن العالمية مع القضية الفلسطينية وحركات المقاطعة هي مجموعات تنشط في الدفاع عن حقوق المثليين والمثليات، وأن المثليين والمثليات وثنائيي الميول الجنسي ومتحوّلي الجنس لطالما تصدّروا الصفوف الأمامية للمظاهرات الداعمة للقضية الفلسطينية في إيرلندا وغيرها. فإن كان هذا «ترنحًا أمام انحطاط أخلاقي وانتكاسًا للفطرة» فحبّذا لو تصاب الحركة الإسلامية التي يمثلها الخطيب ببعضٍ من هذا «الانحطاط وانتكاس الفطرة».

إن هنالك خللًا جذريًّا في المنظومة الأخلاقية والقيمية التي تَعتبر العلاقة الجنسية بين بالغين، برضاهما التام وبغض النظر عن ميولهما الجنسي، شذوذًا بينما ترى تعدد الزوجات حقًّا شرعيًّا، وتدين ممارسة الحرية الجنسية التي لا تؤذي أحدًا بينما تصمت صمتًا مطبقًا إزاء اغتصاب الزوج لزوجته وتلوم ضحايا التحرش الجنسي بدل أن تلوم مرتكبيه. الأجدى أن يراجع كمال الخطيب ومن لف لفيفه منظومتهم الأخلاقية وأحكامهم القيمية الجاهزة التي تختزل الأخلاق بالسرير وتقيّم المجتمعات وفقًا لممارسات أفرادها الجنسية.

الملفت أكثر من وجود أشخاصٍ في بلادنا يدافعون عن الحرية الجنسية هو اختيار كمال الخطيب وصف «الغرب» بالانحلال نتيجة تقبل المثلية الجنسية. المفارقة تكمن في كون المستشرقين الأوروبيين إبان الحقبة الفيكتورية ألقوا بالتهم نفسها على المجتمعات المشرقية التي مثّلت بالنسبة لهم حينها بؤرة من الانحلال مقارنة بالمجتمعات الأوروبية الكاثوليكية المحافظة. وكما يكتب جوزف مسعد «عندما كانت أوروبا تعيش في العصر الفيكتوري، أنتج مستشرقوها معرفة عن العالم العربي والإسلامي بكون سكانها يعيشون في مجتمعات منحلَّة أخلاقيًا، مقارنة بالمنظومة المفاهيمية والفكرية الأوروبية القائمة على قمع الممارسات الجنسية خارج الزواج الغَيْري المسموح به في أوروبا آنذاك». فما أشبه مستشرقي القرن التاسع عشر بإسلاميي القرن الحادي والعشرين، وما أشبه كمال الخطيب بمنى عراقي!

والحديث عن منى العراقي يقودنا إلى آخر أمنية تمناها كمال الخطيب في خطبته بأن يصاب المثليون والمدافعون عن الحرية الجنسية بالإيدز. تنم هذه الأمنية أولًا عن ربطٍ مغلوطٍ وشائع بين المثلية الجنسية والإصابة بفايروس نقص المناعة المكتسبة رغم انعدام أي دليل علمي وإحصائي يؤكد هذا الادعاء. حين يتمنى كمال الخطيب أن يصاب المثليون بالإيدز والأوبئة فهو لا يحرض ضدهم بشكلٍ واضحٍ وصريح فحسب، بل يرسخ الأسطورة بأن المثلية الجنسية والإيدز مرتبطان. الخطر في العلاقة الجنسية غير نابعٍ من كون العلاقة مثلية أو غيْرية بل من نقص الوعي الجنسي وعدم الأخذ بتدابير الحيطة اللازمة، أما الوعي الجنسي فلا أخال المشايخ كخطيب يشجّعونه بل على العكس تمامًا، فالوعي الجنسي بالنسبة لهم «انحلال».

ولكن إجراء هذا الربط لا يقتصر على الإسلاميين أو المحافظين اجتماعيًا، فالصحفية المصرية منى العراقي، على سبيل المثال لا الحصر، التي تعمل في قناة موالية لنظام السيسي اتهمت في برنامجها المثليين بنشر فايروس الإيدز، ورافقت الشرطة المصرية في حملة اقتحام لأحد الأماكن التي ادّعت أن المثليين يجتمعون فيها قبل أن يتم اعتقالهم والتشهير بهم. منى العراقي وكمال الخطيب يختلفان إيديولوجيًا فالأولى علمانية والثاني إسلامي ولكنهما وجهان لعملة واحدة، عملة ترفض الاختلاف وتجرّمه وتدينه، وكلا الوجهين يتّكئ على القيم والأخلاق والتقاليد كي يبرر انتهاكه لحريات الآخرين وشيطنته للمختلفين.

الشيطنة هي تمامًا ما قام به الخطيب حين وصف المدافعين عن حقوق المثليين في فلسطين بأنهم جمعيات مشبوهة وصحف صفراء وكتاب مأجورون. جمعية القوس وهي أبرز جمعية تعمل في مجال التعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني –وهي بالمناسبة لا «تروّج للمثلية» كما يدعي الخطيب- هي جمعية معروفة بمواقفها الوطنية والمناهضة للاحتلال ولجميع محاولاته تلميع صورته باستخدام قضايا المثليين. لم تتبنَّ هذه الجمعية والعديد من الناشطين الفلسطينين المثليين الأدبيات الاستعمارية في نضالهم ضد القمع الجنسي، ولم يقتصر نضالهم على التحرر الجنسي، ورفضوا رفضًا قاطعًا المشاركة في الفعاليات التي ينظمها الصهاينة للمثليين، فما المشبوه في ذلك؟ يستطيع الكثير من المثليين الفلسطينيين الإلقاء بأنفسهم في أحضان الصهاينة فهذا سيوفّر عليهم الكثير من الصداع وسيريحهم من التعرّض إلى اللؤلؤ المكنون الذي ينطق به كمال الخطيب وأمثلاه. ولكنهم لا يساومون على فلسطينيتهم وعلى وطنيتهم ولا يفعلون هذا بدافع تسجيل نقاطٍ سياسية ولكن لأن هويتهم الجنسية لم تكن يومًا عائقًا أمام تبلور الهوية الوطنية، ولا ينتظرون صك وطنية من كمال الخطيب وغيره.

ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها كمال الخطيب وقادة الحركة الإسلامية إلى الإقصاء، وضحايا هذا الفكر الظلامي هم المثليون والنساء وكل من يتبنى فكرًا مختلفًا وعقيدة مختلفة. ولا يمكن فصل ما كتبه الخطيب عن المثليين في صفحته عن سلسلة متزايدة من الاعتداءات على الحريات الفردية والجمعية، كإطلاق النار على سيارة العداءة الفلسطينية حنين راضي في مدينة الطيرة لمحاولتها تنظيم سباق نسائي في المدينة، وإجبار أستاذ لغة عربية على الاستقالة في مدينة باقة لأنه أدخل في المنهاج التدريسي رواية وصفها السلفيون بالانحلال، والمطالبات بفصل الرجال عن النساء أثناء المظاهرات الوطنية، ورفض عرض بعض المسرحيات بحجة تناقضها مع «قيمنا الاجتماعية» والاعتداء على من ينظمونها، والسلسلة تطول وتطول.

في ظل محاولات فئة معينة تملك ما لا يستهان به من السطوة الاجتماعية والمالية، هل تكفي الردود الخجولة والباهتة؟ من السهل انتقاد المسلحين الذين أطلقوا النار على العداءة حنين راضي في الطيرة ومن السهل التضامن معها، فالقضية لا تترك المجال لردٍّ آخر. ولكن ماذا عن المثليين؟ ليس لهؤلاء حظوة اجتماعية أو وزن سياسي وقضيتهم تثير الكثير من الجدل، لذا لن تخرج معظم الناشطات النسويات والأحزاب «التقدمية» والوطنية بردٍّ واضح وصريح يستنكر تعليقات كمال الخطيب، وستكتفي بانتقاد طائفية الأخير دون التعرض بصراحة إلى كلامه ضد المثليين، وهذا خطأ جسيم. من صمتَ على شيطنة المثليين أو بررها أو اكتفى بالنقد السهل والواضح لئلا يضع مسيرته السياسية على المحك أو لحسابات شعبوية رخيصة، هو فاقد للمصداقية في أي نقد آخر يوجهه.

الرد على محاولات الإقصاء واستحواذ فئة معينة على الفضاء العام يكون بالدفاع عن جميع من يتعرضون للإقصاء والتهميش حتى لو كان دعمهم مكلفًا على المدى القريب وحتى لو كانوا هدفًا سهلًا للتشهير والتشويه.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s