!إنه الشغف

نُشر في موقع ألتراصوت

208

بعد كل هزيمة مؤلمة يتعرّض لها اللاعب أو الفريق الرياضي الذي نشجع، يخالجنا ذلك السؤال الوجودي: لماذا نسمح لأنفسنا بالتعلق بالرياضة إلى هذا الحد؟ لماذا نبكي بحرقة حين يخسر اللاعب الذي نحب في مباراة حاسمة؟ ألا تكفينا جميع مشاغلنا اليومية وهمومنا الشخصية ومآسينا الكبرى كي نضيف إليها هاجسًا آخر؟ ما الذي نجنيه من التسمّر لساعات خلف الشاشات كي نتابع مباراة كرة قدم أو كرة مضرب أو سباقات سيّارات لا تجمعنا بالمتنافسين أي علاقة سوى أننا منغمسون في تشجيعهم؟ أليس من الأجدى لنا أن نشاهد الرياضة لغرض المتعة فحسب وأن نتابعها بحياديّة وموضوعية دون أن نتورّط عاطفيًّا في تشجيع لاعب أو فريق ما؟

هل من المنطقي أو العقلاني أن تقدمي على قضم أظافرك العشرة قبل مباراة حاسمة من شدة الخوف، وأن تختبئي تحت الكرسي حين تدخل المباراة في منعطف حرج، وأن تحطّمي هاتفك أو تشدّي شعرك حين يخفق نجمك في المحافظة على تقدمه، وأن تمتنعي عن ارتداء كنزتك المفضلة لأن سوء الطالع شاء أن تكوني قد ارتديتيها خلال خسارة فريقك الأخيرة؟

 كيف يمكن أن تفسّري للآخرين الذين يعتقدون أن الهوس بالرياضة هو قمة الحماقة، تغيّبك عن محاضرة هامة لأنها تزامنت مع مباراة نهائية للاعبة التي تحبّين؟ وكيف يمكن أن تبرّري انشغالك بملاحقة نتائج المباريات كل دقيقة بينما تجلسين مع مجموعة من الأصدقاء الذين لم تلتقي بهم منذ زمن بعيد، تجلسين معهم بجسدك إلا أن قلبك وعقلك في مكان آخر تماما؟

كيف تصارحين شخصًا عزيزًا بأنك لن تتمكني من حضور حفل زفافه أو تخريجه لأن هنالك ما هو أهم: مباراة كرة مضرب يشارك فيها لاعبك المفضل؟

إنّه الشغف. ليس عقلانيًّا أو منطقيًّا وقد يكون غير مبرَّر في أحيانٍ كثيرة وفي أحيانٍ أخرى يتناقض مع واجباتنا الاجتماعية ومسؤولياتنا، كما يستعصي تفسيره لمن لا يرون بالرياضة إلا لاعبين يركضون خلف كرة، ولكنك لست وحيدة. هنالك الكثير من “المجانين” والشغوفين ممن يشاطرونك هذا الشعور، يسارعون لمواساتك والاطمئنان على صحتك بعد خسارة لاعبكم المفضّل، ويمطرونك بالابتسامات والعناقات والقلوب الافتراضيّة بعد انتصاره.

وما يجعلك قادرة على تحمل هزيمة مؤلمة للفريق أو اللاعبين الذين تحبّين هو انتظار أيّامٍ أفضل لا بد أن تأتي، ينجح فيها لاعبك الأغلى في تحقيق المستحيل والفوز بمباراة هامة عكس كل التوقعات والترشيحات بعد أن كدت تفقدين الأمل وكادت الإخفاقات والهزائم تكوي روحك. ذلك الشغف الذي يركض في دمك وتلك السعادة التي تكتنفك تجعل كل أصناف المعاناة التي تتجشّمينها في سبيل اللاعب الذي تحبّين ذات معنى. وذلك الألم الذي يعتريكِ عند خسارة لاعبك المفضل هو ما يجعل الفرح عند الانتصار أكبر. حينها فقط تدركين أن الاستيقاظ في الساعة الرابعة فجرًا لمشاهدة مباراة لم يكن عبثيًّا، وتعرفين أن التزامك بتشجيع لاعب ما رغم خساراته المتكررة لم يكن ضربًا من ضروب الجنون والمازوشية. وبينما كنتِ تحسدين الحياديين على موضوعيّتهم وقدرتهم على تجنّب العذاب والتوتّر وإتلاف أعصابهم، تعلمين في الوقت نفسه أن أحدًا منهم لن يحس بالنشوة التي تجتاحك بعد انتصارٍ طال انتظاره. يقولون أن من لم تتجرّع مرارة الخيبة والهزيمة لن تتذوّق عذوبة الانتصار. ومع كل مايحمله هذا القول من كليشيه وتكرار، إلا أن هذا هو بالضبط ما يتّضح لك بعد فوزٍ لم يكن في الحسبان.

ليس شغف المشجّع السبب الوحيد. بعيدًا عن مشاعرنا الشخصية، تعج الرياضة بقصصٍ جميلة لرياضيّين ورياضيّاتٍ تغلّبوا على كل الظروف القاهرة لكي يحققوا انتصاراتٍ متفاوتةَ الأهمية، منهم من دمرت الحرب وطنه فوجد في الرياضة وطنًا بديلًا، ومنهم من عانت من أبشع أشكال العنصرية والذكورية فعثرت في الرياضة على خلاصها، ومنهم من كان والدها يضربها ويحبسها في الحمام بعد خسارتها فهربت منه لتبدأ حياةً جديدة كانت الرياضة فيها بوصلتها، ومنهم من كان على وشك الاعتزال قبل أن تبتسم له الرياضة أخيرًا. ما يجمع هؤلاء أنهم وجدوا في الملعب أو المضمار ملاذًا. لم تكن الرياضة بالنسبة لهم مجرد تسلية أو مهنة شاقّة يكسبون من خلالها الملايين، بل كانت ملجأهم وملجأهن والمكان الوحيد الذي تمكّنوا فيه من التعبير عن أنفسهم وتحقيق ذواتهم. فرصة الولادة الجديدة التي توفّرها الرياضة للاعبين الذين نحب تغذّي شغفنا لتخلق بيننا وبينهم رباطًا وثيقًا لن تستطيع أي نتيجة سيئة أن تقطعه.

تحفل مختلف الرياضات الفردية منها والجماعية بقصصٍ مؤثّرة، على الأرجح أن سجلات التاريخ والأرقام القياسية لن تذكرها، ولكنها ستبقى معنا لنرويها قبل أن نذكر من فاز ومن خسر. ستبقى معنا لتذكرنا لماذا نحب الرياضة على الرغم من فساد وانتهازية المسؤولين الذين يشوّهونها والاتحادات والشركات التي تحاول مصادرتها منا. ولماذا نذرف الدمع حين يخسر من نحب، ونرغب بمعانقة كل من نصطدم بهم في طريقنا بعد انتصار غير متوقع. ستذكّرنا بالقوة التي يمكن لمضربٍ أو كرة أو انطلاقةٍ سريعة في مضمار أن تمنحها، وبالهشاشة التي تخفيها نظرات أبطالنا الحادة وروحهم التنافسية العالية، هذه الهشاشة التي تسهّل علينا التماثل بأبطالنا والتماهي معهم.وستذكّرنا لماذا لا نتوب بعد كل خسارة رغم تعهدنا الدائم بالتوبة علّنا ندّخر مشاعرنا لأمورٍ أهم. وستغنينا عن الحاجة لتفسير وتبرير وعقلنة شغفنا أمام من يستهترون به…

One thought on “!إنه الشغف

  1. الشغف هو ما وهب اللعبة جمالها، و ضل يسكن تاريخ المهمشين و المنسيين من الذاكرة الجمعية..
    الشغف نبوة اللعبة، فهو الوحي الذي سكن لاعب الأوروغواي هكتور كاسترو أو “المانكو” أي صاحب الذراع الواحدة. ذلك اللاعب قاد منتخب الأوروغواي إلى الفوز بأول بطولة كأس عالم سنة 1930 فيما كنت يده مبتورة.
    و ذات الشغف سكن سوكراتيس المتمرد، لاعب كورثيانتس و البرازيل، الطبيب الذي جعل من لعبة كرة القدم مساحة نضالية طبق فيها أفكاره حول التسيير الذاتي و الديمقراطية المباشرة.
    و هو نفس الشغف الذي جعل من روبن كارتر، ذلك الزنجي الأسود اللذي لقب بالإعصار، يطيح بمنافسيه في حلبة الملاكمة، و لكن الرجل الأبيض أزاحه من عرشه و لفق له التهم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s