وداعاً بيرتا.. ناطورة الأنهار

في موقع المنشور

رغم أن مواجهة التغيّر المناخي والأخطار البيئية ضرورة وليست ترفاً، فإن أحد أبرز الانتقادات الموجّهة للناشطين البيئيين يصب في كونهم مرفّهين ينأون بأنفسهم عن النضالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لم يأتِ هذا التنميط من فراغ فهو ينطبق على الكثير من الناشطين البيئيين البيض والليبراليين في أوروبا والولايات المتحدة إذ يمضون وقتهم في التنقل بين فنادق العالم والسفر من مؤتمر إلى آخر وحصد المال الشّخصي.

إلا أن الواقع في أميركا اللاتينية مختلف تماماً حيث نجد المناضلين البيئيين في الخطوط الأمامية للدفاع عن أراضيهم في وجه الجرّافات والرّافعات والرّصاص ومن الممكن أن يدفعوا حياتهم ثمناً لهذه لمواجهة.

يشير تقرير نشرته منظمة Global Witness في نيسان/أبريل 2015 إلى أن 116 مدافعاً بيئياً قتلوا في العام 2014، ثلاثة أرباعهم سقطوا في أميركا اللاتينية وحدها.

تزخر جبال وغابات وأنهار أميركا اللاتينية بالثروات الطبيعية والمعادن النّفيسة ما يجعلها هدفاً رئيسياً للحفريات وعمليات التنقيب وقطع الأشجار. تقود شركات التعدين والبناء الضخمة متعددة الجنسيات هذه العمليات باشتراك أو تواطؤ معظم الحكومات المحلّية وبدعم البنك الدولي وأذرعه المختلفة. وغالباً ما يكون أهالي هذه المناطق الغنية بالموارد من السّكان الأصليّين الذين يشكّلون خط الدّفاع الأول لحماية أراضيهم وكنوزها الطّبيعية من جشع الشركات والحكومات.

وثّقت منظمة Global Witness، في التقرير نفسه، مقتل سبعة وأربعين من السكان الأصليين في العام 2014 لدفاعهم عن أرضهم، لكنها رجّحت أن يكون عدد الضحايا الحقيقي أعلى من ذلك. وتعتبر هندوراس الدولة الأخطر بالنسبة للمدافعين البيئيين خاصّةً في أعقاب انقلاب عسكري أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطياً مانويل سيلايا في العام 2009 وحظي بدعم مبطّن من الولايات المتحدة الأميركية. قتل 109 مدافعين بيئيين في هندوراس بين الأعوام 2010 و2015 معظمهم من السكّان الأصليين، أما في العام السابق لوحده فقد قتل ثمانية مدافعين بيئيين، ستة منهم على الأقل من السكان الأصليين.

في الوقت عينه، تواصل الولايات المتحدة دعمها العسكري للنظام الانقلابي في هندوراس على الرغم من هذا السجل الحافل بالجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان، وفي سيرتها الذّاتية خيارات صعبةاعترفت هيلاري كلينتون، المرشّحة المحتملة لرئاسة الولايات لمتحدة عن الحزب الديمقراطي ووزيرة الخارجية السّابقة، بدورها في إضفاء الشرعية على الانقلاب واعتبرت تعاملها معه انتصاراً لبراغماتيتها ونجاعة سياستها الخارجية آنذاك. زاد انقلاب العام 2009 من عسكرة الدولة والمجتمع وضرب الحركات الاجتماعية بيد من حديد وشرّع القمع وتقييد الحريات السياسية واضطهاد النساء والمثليين ونشر الفساد وعمّق الهوة الاقتصادية بين المواطنين. قادت سلطة الانقلاب في هندوراس ثورة مضادة بالنيابة عن رأس المال العالمي حيث منحت الشركاتِ العالميةَ الكبرى الضّوء الأخضر لإقامة مشاريع ضخمة على أراضي السكان الأصليين بدون موافقتهم أو حتى استشارتهم.

وقد وقفت بيرتا كاسيرس، التي كرّست حياتها ونضالها لمحاربة الرأسمالية والذّكورية والعنصرية، بالمرصاد لهذا التكتّل من القوى السّاعية للاستيلاء على الأرض وتدمير الطبيعة وسحق البشر.

ولدت بيرتا إسابيل كاسيرس فلورس في بلدة لا إسبيرانسا في 4 آذار/مارس 1971 ولم يكن الاسم هو الأمر الوحيد الذي ورثته الابنة الصغرى عن أمها بل أخذت عنها روحها الثوريّة ونسويّتها وتشبّثها بأراضي وحقوق شعب اللينكا الذي يشكّل أكبر مجموعة من السكّان الأصليين في هندوراس. عملت بيرتا في طفولتها مع والدتها على استقبال ورعاية اللاجئات من السالفادور أثناء الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد خلال ثمانينات القرن الماضي.

اعتادت مع أفراد عائلتها، وأغلبهم من النساء المزارعات، الاستماع خلسةً لأغاني وأخبار الثورة في نيكاراغوا عبر قنوات الإذاعة المحظورة.

كانت بيرتا لا تزال طالبة في كلّية التربية حين شاركت في تأسيس المجلس المدني للمنظّمات الشّعبية والأهلية في هندوراس في العام 1993 انطلاقاً من إيمانها بضرورة توحيد جهود السكّان الأصليين للتصدي لمحاولات الدّولة والشّركات الاستيلاء على أراضيهم ونهب مواردهم.

نشط المجلس منذ انطلاقه في الدفاع عن حقوق السكان الأصليين من شعب اللينكا والذين يناهز عددهم نصف مليون شخص ويعيش معظمهم في شمال غرب هندوراس ويتعرّضون لتمييز ممنهج وعمليّات اقتلاع متواترة من أرضهم وأرض أجدادهم. قام المجلس بتنظيم مئات المظاهرات للمطالبة بحق تقرير المصير للسكان الأصليين واتّسعت رقعة الاحتجاجات لتمتد من البلدات النائية في غرب هندوراس إلى مقر البرلمان في العاصمة والقواعد العسكرية الأميركية المقامة على أراضي شعب اللينكا.

https://vimeo.com/78126477

تعتمد استراتيجية المجلس على إرساء مبادئ الديمقراطية التشاركية والتنظيم الأفقي الذي يضمن مشاركة حقيقية للسكان والمزارعين والمزارعات بغض النظر عن مستواهم التعليمي والثقافي وإسماع أصوات النّساء والرجال التي لطالما أسكتتها الحكومة وتجاهلتها الأحزاب السياسية، بما في ذلك أحزاب اليسار التقليدي. تنوّعت الأساليب النّضالية التي انتهجها المجلس تحت إشراف بيرتا من إجراء الاستفتاءات وتنظيم المظاهرات والاعتصامات وإغلاق الطرق الرئيسية وتشكيل دروع بشريّة لمنع الآليات من دخول الأراضي، وصولا إلى مقاطعة شركات ومؤسسات مالية دولية متورّطة في استباحة أرضهم والتوجّه للمحاكم لإثبات حقوق الملكية الجماعية للسكان الأصليين على هذه الأراضي.

نجح المجلس بعد أكثر من عقدين من الكفاح الشّعبي في طرد عدّة شركات من أراضي شعب اللينكا واستعادة 100 قطعة أرض مصادرة وتسليط الضّوء على قضايا ونضال السكّان الأصليّين في المحافل الدولية وحتى وسائل الإعلام التقليدية.

انطلقت في العام 2006 إحدى أهم المعارك التي قادها المجلس بعد تلقّي بيرتا معلوماتٍ من سكان النهر الأبيض عن تواجد آليات بناء قرب نهر غوالكاركي.

كشفت بيرتا النّقاب عن مخطط لإقامة مشروع مؤلّف من أربعة سدود كهرمائية سيتم بناؤها على نهر غوالكاركي بدعم من مؤسسة التمويل الدولية، التّابعة للبنك الدولي، وبإشراف شركة التطوير المحلية ديسا وشركة سينوهايدرو الصّينية الحكومية، وهي أضخم شركة بناء سدود في العالم.

“ناداني النّهر ولم أستطع ألا ألبّي النّداء” قالت بيرتا عن مساندتها ودعم المجلس لنضال سكان النهر الأبيض لحماية نهرهم. تحمل الأنهار بالنسبة لأهالي شعب اللينكا أهمية روحية ومادية، فنهر غوالكاركي يعتبر مكاناً مقدّساً تسكنه الأرواح المؤنّثة، كما وتستخدم مياهه للشرب والريّ وهو المورد الأهم بالنسبة للمزارعين والمزارعات.

وصل النّضال ذروته في العام 2013 حيث بدأ أهالي النّهر الأبيض بإغلاق الطريق الرئيسية للمدينة ومنعوا بأجسادهم الجرّافات وآلات البناء من مباشرة العمل لأكثر من سنة. أدّت هذه المتاريس البشرية، والنَفس الطويل، إلى انسحاب شركة سينوهايدرو من المشروع، ولوى ضغط بيرتا ورفاقها ذراع البنك الدولي، فأجبرت مؤسسة التمويل الدولية على التراجع عن المشروع. كان ثمن هذا الانتصار النسبي باهظاً فقد اغتيل ثلاثة من الناشطين دفاعاً عن النهر بينهم القائد المحلي وعضو المجلس، توماس غارثيا، الذي قتل برصاص الجيش أثناء مظاهرة سلمية في تموز/يوليو 2013 ولم يمكث الجندي الذي أعدمه إلا أياماً قليلة في السجن.

أما بيرتا فقد كانت مستهدفة منذ البداية إذ تعرّضت لتهديدات متكرّرة بالقتل والتحرّش الجنسي واضطرت اثنتان من بناتها إلى الهرب بعد تهديدات بالخطف. وضع جيش هندوراس قائمة من ثمانية عشر مناضلاً حقوقياً ينوي اغتيالهم وقد تصدّر اسم بيرتا القائمة، كما ولم تنجُ من الملاحقة القضائية ومذكّرات الاعتقال والتّهم الملفّقة التي أجبرتها على التّواري لأكثر من مرة.

“حين بدأنا بنضالنا ضد تشييد السّد علمت أنه سيكون شاقّاً ولكنني كنت واثقة بأننا سننتصر فقد أخبرني النهر بذلك”، قالت بيرتا بعد فوزها بجائزة غولدمان، أبرز جائزة تمنح للمدافعين البيئيين في العالم.

بعد فشل النّظام والشّركات التي يدافع عن مصالحها بإسكات بيرتا وترهيبها، انتقموا منها بالرّصاص. اغتيلت بيرتا في منزلها المتواضع في بلدة لا إسبيرانسا في منتصف الليل قبل يوم واحد من عيد ميلادها الخامس والأربعين. سقطت بيرتا بين ذراعي المناضل المكسيكي غوستافو كاسترو، الشاهد الوحيد على الجريمة والذي أصيب هو الآخر واعتقل لدى محاولته مغادرة هندوراس.

ادّعت الشرطة في البداية أن مقتل بيرتا كان نتيجة جريمة سطو مسلّح لكن تجربتها مع القمع والتهديدات التي تعرّضت لها تشير بأصابع الاتّهام نحو النّظام أو الشّركات التي يحمي مصالحها. ورغم النداءات لتحقيق مستقل وشفّاف، لا يعوّل أحد على كشف الحقيقة وإحالة المجرم الحقيقي للعدالة في بلاد تحظى بها ميليشيات القتل التابعة للدّولة بحصانة شبه مطلقة.

قالت بيرتا القائدة والمقاتلة والأم التي حرست النّهر بدمها ودموعها وجسدها أن لا خيار آخر أمام شعب اللينكا سوى النّضال وهذا هو الطّريق الذي سلكته حتى آخر لحظة في حياتها. حياة نذرتها للدفاع عن أمّنا الأرض في وجه نظام عالمي يصرّ على منعنا من الحلم وتحقيق السعادة والعدالة.

One thought on “وداعاً بيرتا.. ناطورة الأنهار

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s