حكاية الشباب السوري الثائر

نشره موقع المنشور
English version

كانت مقاطع الفيديو التي حمّلها ناشطو تجمع “الشباب السوري الثائر” على قناتهم في موقع “يوتيوب”، كفيلة بمنحنا الأمل باس1266724_576049829125814_1369924856_oتمرار الحراك الثوري السلمي في سوريا، ودفعنا للوقوف بدهشة أمام قدرتهم على الخروج للتظاهر في قلب دمشق رغم إحكام النظام السوري قبضته الأمنية هناك. ولكن بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على آخر مظاهرة نظّمها التجمّع في العاصمة السورية أصبحت مقاطع الفيديو إياها تختصر المأساة التي ألمّت بالثورة السورية. وهي كذلك تذكير قاسٍ أن كثيراً من الأصوات التي ضجّت بالهتاف والغناء في تلك المظاهرات مطالبة بإسقاط النظام تم إسكاتها مرة وإلى الأبد.

لكن ماذا حدث للشباب الذين ساروا في تلك “العراضة الحمصية” في حي ركن الدين الدمشقي متحدّين قوات الأمن المنتشرة في المنطقة، مردّدين الأهازيج الثورية والهتافات المناصرة لأحياء حمص المحاصرة؟ هل كانوا يعلمون حينها أن تلك العراضة في 12 حزيران/يونيو 2013، ستكون آخر مرة يتمكنون فيها من التظاهر في حاراتهم بعد أن اعتادوا الخروج في مظاهرات أسبوعية؟ كم منهم سيبقى ليشارك في بناء وطن الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة الذي لأجله قام تجمع الشباب السوري الثائر ولأجله اعتقل واستشهد وهُجّر معظم أعضائه المؤسّسين؟

تأسس تجمع الشباب السوري الثائر في الأشهر الأولى من عمر الانتفاضة السورية على يد مجموعة من الشباب والشابات من حي ركن الدين شمال العاصمة السورية دمشق؛ مؤكداً ومحافظاً على هويّته كتجمّعٍ يساري ومدني ووطني. ولكن الرؤية التي حملها تجمع الشباب السوري الثائر لم تقتصر على المطالبة بالحرية والديمقراطية والدولة المدنية. ففيما دأبت المعارضة الليبرالية بمختلف أطيافها وجماعة الإخوان المسلمين على اختزال أهداف الثورة بصندوق الاقتراع وإقامة الدولة المدنية وتكريس اقتصاد السوق، قدّم تجمع الشباب السوري الثائر رؤية أكثر وضوحاً وجذريةً انطلاقاً من الحرمان والتهميش والإقصاء الذي يعاني منه السواد الأعظم من الشعب السوري.

نادى الشباب السوري الثائر بالحرية وبإسقاط نظام بشار الأسد وبفصل السلطات واستقلال القضاء. لكن ذلك لم يأت على حساب مطالبتهم بالعدالة الاجتماعية والتعليم المجاني للجميع والاستشفاء المجاني وحقوق المرأة بالإضافة إلى التزامهم بدعم القضية الفلسطينية وتحرير الجولان. وكان هذا جلياً من خلال بيانهم التأسيسي ومن خلال الهتافات واللافتات التي قاموا برفعها في مظاهراتهم، فقد رفعوا العلم الفلسطيني إلى جانب علم الثورة ورددوا أسماء الشهداء الفلسطينيين مع أسماء الشهداء السوريين وشهدت مظاهراتهم وجوداً نسائياً لافتاً ولم تنفصل مطالبتهم بالخبز والمازوت والحياة الكريمة عن مطلبهم بإسقاط النظام وتحقيق الحرية كما وأصروا دائماً على رفض الطائفية وترسيخ الوحدة الوطنية. “حرية آزادي، حرة يا بنت بلادي”، “لا سنية ولا علوية نحنا مطلبنا الحرية” و”بدنا المعتقلين” كانت شعارات حرصوا على رفعها في كل مظاهراتهم.

كما حاول تجمع الشباب السوري الثائر المحافظة على زخم الحراك السلمي والمدني مع انتقال الثورة التدريجي إلى العسكرة وآمنوا أنه يمكن للنضال السلمي والكفاح المسلّح السير يداً بيد إلا أن دعمهم لشرعية المقاومة المسلحة وحق السوريين في الدفاع عن نفسهم لم يحل دون انتقادهم الصريح لما اعتبروها أخطاء وانتهاكات ترتكبها جماعات المعارضة المسلحة.

ولم ينحصر حراك الشباب السوري الثائر في تنظيم المظاهرات في حي ركن الدين فقد شاركوا بتظاهرات بعض الأحياء الدمشقية الأخرى وشملت أنشطتهم توزيع المنشورات الثورية في دمشق وبخّ شعارات معارضة للنظام على جدران العاصمة. وقد شكّلت صفحتهم على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” منبراً لنشر بياناتهم بخصوص الأحداث السياسية الهامة. وهكذا قدّم الشباب السوري الثائر شكلاً مغايراً للمعارضة الوطنية، هذا المصطلح الذي تم تفريغه من محتواه وابتذاله بعد أن أصبح يراد به وصف قوى المعارضة المهادنة للنظام والعاملة تحت السقف المنخفض الذي يفرضه. ولكنّ طرح تجمع الشباب السوري الثائر كان طرحاً وطنياً أصيلاً دون الانتقاص من ثوريته مما جعله هدفاً مباشراً لأشد أنواع القمع والتضييق حيث قامت قوات النظام باعتقال وتصفية الكثير من مؤسسي التجمع بينما اضطر بقيتهم للخروج من سوريا خشية الاعتقال. وعلى الرغم مما تعرض له من ملاحقة وقمع بقي تجمع الشباب السوري الثائر أحد التجمعات المدنية القليلة في سوريا التي لم تسيطر عليها عقلية المنظمات غير الحكومية ولم يتمكن المال السياسي من تدجينها فقد كان مصدر تمويله الرئيس هو تبرّعات أعضائه.

رفض ناشطو الشباب السوري الثائر مراراً وتكراراً المساومة على رؤية التجمع ومبادئه في سبيل الحصول على تمويل خارجي. أما الفضائيات الخليجية، التي لم تكن تتوانى عن بث مقاطع لمظاهرات ذات طابع طائفي ومطالب التدخل الخارجي، غيّبت في تغطيتها المظاهرات التي كان ينظمها الشباب السوري الثائر على الرغم من قيامها في قلب دمشق. كانت تلك إحدى الضرائب التي دفعها التجمع نتيجة تمسكه بالاستقلالية ونبذ الطائفية ورفض التدخل الخارجي إذ كانت قناتهم على يوتيوب تشكل المساحة الوحيدة لعرض أنشطتهم.

إلا أن أحد أبرز مكامن الضعف التي اتّسم بها تنظيم الشباب السوري الثائر هو انحصارهم إلى حد كبير في رقعة جغرافية واحدة، ألا وهي ركن الدين باستثناء إنشاء فرع صغير للتجمع في مدينة حمص. لا شك أن ضمان موطئ قدم في حيّهم وكسب ثقة ودعم أبناء الحي كان ضروريّاً للغاية خاصة في المراحل الأولى من تشكيل التجمع إلا أن الإخفاق في الارتقاء بالمستوى التنظيمي وتجاوز حدود الحي أدى إلى الحد بشكل كبير من تأثير التجمع وانتشاره. مكمن ضعفٍ آخر كان من شأنه إطباق الخناق على التجمع هو مركزيته الشديدة واعتماده الكلّي على الأعضاء المؤسسين مما سهّل مهمة النظام في تقويض حراكه خلال زج الأعضاء المؤسّسين في السجون وتصفيتهم تحت التعذيب. أما ناشطو التجمع فلم يتّخذوا تدابير الأمان والحماية اللازمة فساهم تسرّعهم وقلة خبرتهم في جعلهم عرضة للوقوع بأيدي أجهزة الأمن بسهولة، وتفسر كل هذه العوامل اضمحلال نشاط التجمع على الأرض منذ النصف الثاني من العام 2013.

وجاءت الضربة القاصمة للتجمع عندما اعتقل سبعة من أعضائه في 30/12/2013 حين اقتحمت أجهزة الأمن البيت الذي اجتمع فيه الناشطون السبعة وألقت القبض عليهم جميعاً.

ومنذ تلك الليلة توالت الأنباء عن استشهاد الشبان تحت التعذيب فمن بين الشباب السبعة الذين اعتقلوا في تلك الليلة وصل خبر استشهاد ستة منهم.

أحد المعتقلين الذين استشهدوا تحت التعذيب هو رودين عجك، لاعب كرة سلة واعد لم يتجاوز الـ 21 من عمره بالإضافة إلى رفيقه عامر ظاظا الذي أُعلن عن خبر استشهاده تحت التعذيب في 1/12/2014. كان عامر ورودين، بالإضافة إلى رفيق ثالث في التجمع استشهد هو الآخر تحت التعذيب، قد غادروا سوريا في أيار/مايو من العام 2013، وأمضوا فترة وجيزة في مصر إلا أن التزامهم بالثورة وتعلّقهم بسوريا دفعهم للعودة القاتلة.

ما يزيد من فاجعة استشهاد هؤلاء الشباب المناضلين هو عدم القدرة على ذكر أسمائهم جميعاً حتى بعد استشهادهم بالإضافة إلى التعتيم الشديد الذي خيم على قضية اعتقالهم، إذ خشيت أسرهم أن يؤدي الإعلان عن اعتقالهم إلى إلحاق الضرر بهم، إلا أن التكتّم عن الخبر لم يشفع لهم هو الآخر.

تذكر تجمع الشبابا السوري الثائر الآن ليس نابعاً من مجرد حنينٍ إلى ما كانت عليه الثورة السورية في بداياتها أو تحسّر على سوريا التي كانوا يحلمون ببنائها. تذكرهم هو تحية متأخرة لطلاب وشباب يافعين دفعوا دماءهم ثمن الحلم بسوريا أفضل، وثمن النضال من أجل خلق بديل ثوري ووطني معارض للنظام لا يتبنى أجندة من شأنها إرضاء المعارضة الخارجية والإسلاميين. بديل يساري لا يخجل من يساريته.

Advertisements

الثورة السورية وفلسطين: تحرير القدس يمرّ عبر دمشق

حين نناقش مسألة الانتفاضة السورية مع منتقديها، فإننا غالباً ما نسرع في التأكيد أنّ النظام السوري ليس مناهضاً للإمبريالية، ولم يطلق رصاصة واحدة لتحرير الجولان المحتل منذ ١٩٧٤، وأنّه يستخدم فلسطين فقط كورقة تين وأداة سياسية لكسب الشرعية والاستقرار الداخلي في سورية. كل ما سبق حقيقي، لكن لا بد أن نسأل: لماذا علينا دوماً أن نلجأ إلى هذا التكتيك؟ لماذا كلما تُناقَش المسألة السورية، أول ما نتطرق إليه هو سياسة سورية الخارجية، والتبعات الجيو – سياسية للفوضى العنيفة التي تسود البلاد، ومصير القضية الفلسطينية؟

من الأهمية بمكان تفكيك الأسطورة التي تقول بأنّ النظام السوري مناصر للقضية الفلسطينية، ومن المهم أيضاً الإشارة إلى دور حافظ الأسد في سحق المقاومة الفلسطينية، والأحزاب اليسارية في لبنان خلال المراحل الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية. من الضروري أيضاً الإشارة إلى تحويل كلمة مقاومة في عهد بشار الأسد إلى كلمة «ممانعة»، ما يدلّ بوضوح على أنّ الرئيس الشاب يعتقد أنّ مهمته الرئيسية هي الرفض، لا المقاومة الفاعلة للاحتلال الإسرائيلي. لكن فيما تكسير الأساطير التي تدعي مناصرة النظام السوري للقضية الفلسطينية، هو أمر أساسي في أي نقاش حول سوريا، لا يجب أن يشكل ذلك نقطة التركيز الأولى.

هل ننتظر تحرير فلسطين؟

في السنوات الثلاث الأخيرة، جلّ ما حققه القوميون العرب، والستالينيون، ورهط من يسمون أنفسهم يساريين ويساندون النظام السوري و/أو يعارضون الثورة السورية، هو أنّهم نجحوا كلياً في توجيه أي نقاش حول سوريا وفق شروطهم الخاصة. إذاً، عوض مناقشة قمع النظام السوري للحريات السياسية والمدنية، وعوض الحديث عن الجهاز الأمني والاستخباراتي الذي بنته الدولة السورية لخنق شعب كامل وقمع أي نوع من التمرد، وعوض الحديث عن رأسمالية الدولة في عهد حافظ الأسد، أو السياسات النيوليبرالية الخاصة ببشار الأسد، وعوض الحديث عن استخدام النظام السوري للمذهبية والتخويف للحفاظ على سلطته، وعوض تناول المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعانيها السوريون، عوض كل ذلك تتمحور نقاشاتنا عن سورية حول السؤال الآتي: هل النظام السوري مناصر للفلسطينيين؟ ماذا سيحصل في المنطقة إذا سقط النظام السوري؟ ما نتائج ذلك على «المقاومة» في لبنان ومحور الممانعة؟ من يساندون النظام يصرون على أنه في حال سقوط هذا الأخير، ستحل الكارثة، وستضيع القضية الفلسطينية إلى الأبد، وستكون إسرائيل وحلفاؤها في الخليج المستفيدين من الموضوع. في المقابل، يصرّ من يساندون الثورة على أنه لن تحرر فلسطين ما دام يحكم سورية دكتاتور، وأنّ الطريق لتحرير فلسطين ومرتفعات الجولات تمرّ عبر دمشق. وليس الأمر مفاجئاً ألا تكون مسألة مرتفعات الجولان حاضرة بقوة في أدبيات مناصري النظام أو معارضيه. في المقابل، تبقى القضية المركزية هي فلسطين.

مهمتي هنا ليست في إثارة أسئلة نظرية أو الدخول في جدال عقيم عن إسرائيل، لكن يجب تأكيد نقطتين:

أولاً، لا شك أنّ نظاماً قائماً على الفاشية والعسكرة والإقصاء والاستبداد يحتاج بشدة إلى عدو كي يحافظ على بعض الشعبية في الداخل؛ إذ إنّ وجود قوانين الطوارئ في سورية والجهاز الأمني بُرِّر بوجود إسرائيل، وهي عدو يتشارك معظم السوريين العداء تجاهه. النظام السوري لم يكتف بالحفاظ على الأمن على الحدود مع إسرائيل خلال عهدي الأسد الأب والابن، لكنه استخدم شعبية الدولة العبرية كعدو لتبرير قمع السوريين. من مذبحة حماه في ١٩٨٢، إلى بداية الثورة، كان العدو إسرائيل.

النقطة الثانية التي يجب التركيز عليها هي أنّه رغم عدم رغبتنا في الدخول في النقاش المؤامراتي حول وجود حلف سري بين إسرائيل والنظام السوري، لكن من الواضح أن النظام لم يكن ينوي أبداً فتح جبهة مباشرة مع إسرائيل والتزم دوماً المفاوضات طريقةً وحيدة لتحرير أراضيه المحتلة.

نزع الإنسانية عن السوريين

مع وضع كل هذه الاستنتاجات جانباً، من اللافت أنّ الطرفين يعتمدان الحجج نفسها للوصول إلى نتائج مختلفة. النقطة الأساسية المشتركة بينهما هي التركيز على السياسة الخارجية لسورية وإهمال ما يحصل فعلياً في الداخل. سورية بالنسبة إليهم هي طريق، أو دولة استراتيجية. وحتى لو قررنا مساندة الثورة، فإنّ أفضل حججنا ليست مصلحة الشعب السوري، وتحديداً المهمشين والمقموعين، بل إمكانية أن تؤدي هذه الثورة إلى تحسن الوضع في المنطقة عموماً، وفي فلسطين خصوصاً.

هذا بحدّ ذاته هو نزع صارخ للإنسانية عن السوريين. نتعاطى مع الموضوع وكأن السوريين ليسوا أكثر من أشياء أو أدوات، ومطالبتهم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لا قيمة لها. المسألة الأهم هي تحرير فلسطين، فيما لا أحد يكترث بالقتل الجماعي في سورية واستهداف الأضعف والأفقر، ونعتبر ذلك تفاصيل جانبية لا أهمية لها يمكن العودة إليها لاحقاً. وفيما تغيرت بروباغندا النظام في السنوات الثلاث الماضية من استخدام فلسطين والمقاومة لتسجيل النقاط، إلى استخدام ذريعة الحرب ضد الإرهاب، فإنّه داخل الطيف اليساري لا يزال مناصرو الثورة ومناهضوها، على السواء، عالقين عند الخطاب نفسه.

نتعاطى مع الموضوع وكأن السوريين ليسوا أكثر من أشياء أو أدوات ومطالبتهم بالحرية والكرامــة والعدالـة الاجتماعيـــة لا قيمة لها. المسألة الأهم هي تحرير فلســـطين، فيما لا أحد يكترث بالقتل الجماعي في ســورية واستهداف الأضعف والأفقر، ونعتبر ذلك تفاصيل جانبيـة لا أهمية لها يمكن العودة إليها لاحقــاً

المثال الأوضح على نزع الإنسانية عن السوريين جاء من أستاذ العلوم السياسية أسعد أبو خليل على تويتر. بعد إلقاء النظام السوري برميلاً متفجراً على حلب، اشتكى أبو خليل: «لو أنّ النظام رمى هذا البرميل على إسرائيل». إذاً، بالنسبة إلى أبي خليل، المسألة ليست على ما يبدو بإلقاء براميل متفجرة على حلب وقتل المئات من المدنيين في أسابيع قليلة. لا، الموضوع مقبول ما دام النظام السوري يرمي البراميل على العدو الصهيوني.

Bidayat_07_pic3

من أجل تجنب نزع الإنسانية عن السوريين والتغاضي عن معاناتهم، صمودهم ونضالهم من أجل الحرية والكرامة، يجب أن نوضح بعض النقاط قبل بدء أي نقاش حول سورية. نحن نعارض النظام السوري، حتى لو كان الوحيد على الكرة الأرضية القادر على تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي. لن يتم إحراجنا كي نتغاضى عن جرائم النظام واستبداده واستعباده للشعب السوري. إذا كان نظام ما مناهضاً للإمبريالية – وهي ليست حالة النظام السوري – لا يعطيه ذلك شرعية أو يجعله أهون الشرين. يبدو واضحاً لدى كل من يتابع الشأن السوري عن كثب أنّ قرار اعتبار إسرائيل عدواً ليس قراراً اتخذه النظام فحسب. هو أمر يوافق عليه العديد من السوريين. لا يحتاج هؤلاء إلى دروس في الوطنية أو حول فلسطين، ولا يحتاجون إلى إجراء اختبار لمقدار عدائهم لإسرائيل. لا يجب بأي حال من الأحوال لوم السوريين على توجيه كل عدائهم اليوم إلى النظام ومناصريه، وحزب الله والظام الإيراني وروسيا. لا يحق لأحد الطلب من السوريين تأجيل صراعهم من أجل الحرية أو تخفيف عدائهم لحزب الله أو إيران؛ لأنه ليس الوقت المناسب لذلك. لعقود مضت، كان السوريون يسمعون أنّ الوقت ليس مناسباً للمطالبة بإصلاحات؛ لأنّه يجب توجيه الاهتمام إلى العدو الخارجي. وفي خلال هذه العقود، لم يُطلَق الإصلاح السياسي أو الاهتمام بالعدو الخارجي. يحق للسوريين اعتبار النظام السوري وإيران وحزب الله أعداءهم الأساسيين حالياً؛ لأنّ النظام السوري يبيد مناطق وقرى بكاملها عن الخريطة بمساندة مباشرة من إيران وحزب الله.

ثوار ضد الاحتلال

حتى مع مواجهة القصف اليومي والحصار القاتل، أظهرت المناطق السورية المنتفضة تضامناً مع غزة حين تعرضت لهجوم إسرائيلي في تشرين الثاني ٢٠١٢. حمل الشباب السوري المنتفض لافتات ضد «مخطط برافر» للتطهير العرقي في صحراء النقب، وساندوا إضراب السجناء السياسيين الفلسطينيين عن الطعام. حين يتعرض السوريون للقصف يكون ردّ فعلهم العفوي: «حتى إسرائيل لم تفعل ذلك للفلسطينيين». بالنسبة إلى السوريين، وضعت إسرائيل المعايير الأقسى للعنف، ولا تزال تعتبر عدواً، لكن النظام السوري تمكن من تجاوز حتى إسرائيل.

حتى حين يطالب السوريون بالتدخل العسكري الخارجي – وهو أمر لا أزال أعارضه بشدة – فإنّ من غير الأخلاقي وغير المنطقي إلقاء اللوم عليهم أو استخدام مطالبتهم تلك كوسيلة لنزع الشرعية عن الانتفاضة. لقد استخدم النظام كل قوته العسكرية لسحق المدن والقرى التي انتفضت. استخدم النظام القوى غير المتناسبة ضد المتظاهرين قبل وقت طويل من لجوء المعارضين إلى السلاح، وقبل وقت طويل من أي دعوة جدية للتدخل الخارجي. في الحقيقة، إنّ جزءاً كبيراً ممن يدّعون اليوم أنّهم توقفوا عن مساندة الثورة لأنّها بدأت بالمطالبة بتدخل خارجي، وبسبب المذهبية والعسكرة، وصفوها بالمؤامرة منذ يومها الأول، حين ووجه المتظاهرون في درعا بالرصاص الحي، مقابل مطالبتهم بالسلمية والحرية. مما لا شك فيه أنّه يجب لوم الخطاب المعارض في سورية لأنه لم يشدد كثيراً على سيادة سورية في الاشهر الأولى للانتفاضة، لكن المعارضة السورية لم تمثل فعلياً الثوار على الأرض كما هي الحال في معظم الحركات الثورية؛ فهناك فجوة بين الانتفاضة التي لا قائد فعلياً لها على الأرض وبين المعارضة السياسية المتفرقة.

حين نركز على هذه المسألة، وحين نصرخ عالياً بأننا ضد النظام السوري حتى لو قام بتحرير فلسطين، وأننا لن نتغاضى عما يرتكبه حتى لو كان مناهضاً للإمبريالية، وحين نكرر أن مطالب السوريين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية يجب ألّا تهمل وتعتبر ثانوية، حينها فقط سيكون من المقبول أن ندخل في نقاش حول النتائج المحتملة لهذه الانتفاضة على السياسة الخارجية لسورية.

بالتأكيد، لا يريد هذا المقال أن يتوافق مع ما يكرره بعض الليبراليين العرب من رغبة في تطبيع العلاقات مع إسرائيل، أو مع من يقولون إنّ الوقت ليس مناسباً للحديث عن مناهضة الصهيونية أو الإمبريالية أو عن تحرير الجولان. هذه قضايا يحق فقط للسوريين الأحرار أخذ قرار بشأنها. بالطبع، لا نزال نعتقد أنّ من الصائب والفعال سياسياً مناهضة أكاذيب النظام ومنعه من احتكار القضية الوطنية. لقد حاولنا أن نقول هنا إنّه ليس على ذلك أن يكون اهتمامنا الأساسي وألّا يكون على حساب مآسي الشعب السوري. بالإضافة إلى ذلك، حين تساند ثورة، يجب ألّا تضع شروطاً مسبقة لذلك. يمكنك ألا تتفق مع خطابات يستخدمها السوريون. يمكنك أن ترفض الطريقة التي تتصرف في خلالها المعارضة والمجموعات المسلحة، لكن لا يمكنك أن تنكر أنّ السوريين نزلوا جماعياً إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير الشامل. لذلك، يجب أن نساند انتفاضتهم بغض النظر عما ستكون نتائجها علينا كفلسطينيين. بعض الشبان فهموا ذلك، مثل أنس عمارة، وهو شاب فلسطيني يساري اعتقله النظام، وخالد بكراوي، الناشط الفلسطيني الذي تعرض للتعذيب حتى الموت في أقبية النظام، وعدي تيم، الناشط من مخيم اليرموك ذي العشرين عاماً الذي يعتقله النظام. هؤلاء الفلسطينيون وغيرهم ممن ساندوا الثورة وشاركوا فيها بفعالية، لم يسألوا عن شروط مسبقة، ولم يطلبوا من السوريين إثبات عدائهم لإسرائيل قبل المخاطرة بكل ما يملكون للتظاهر ضد النظام أو مساعدة النازحين. يجب علينا ألّا نصادر من السوريين أصواتهم، ونركز فقط على النتائج الخارجية.

Palestine and the Syrian Revolution فلسطين والثورة السورية

أدناه النصّ الأصلي والترجمة العربية وفيديو يوتيوب الكلمة التي ألقيتها يوم 17 تشرين الثاني 2013 أثناء ندوة عن الثورة السورية في نيويورك نظمتها شبكة تضامن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. شكراً للرفاق في المنشور وفي شبكة التحرير لنشرهما النصّ (: This is a transcript and a YouTube of my presentation on 17 November 2013 at a Teach in on Syria in New York organized by the MENA Solidarity Newtork US. Thanks to comrades in Tahrir-ICN and al-Manshour for publishing the texts.

ملاحظة: فيديو اليوتيوب فيه ترجمة عربية، اضغطي على CC في الأسفل إن لم تظهر

في نيسان عام 2011، قالت مدونة مصرية شهيرة أن على الثوار السوريين رفع علم فلسطين خلال مظاهرات يوم الجمعة وذلك لإثبات دعمهم للمقاومة الفلسطينية ولدحض حجة النظام بأنه يدعم القضية الفلسطينية.

اليوم أسأل نفسي، هل على السوريين القيام بذلك؟ هل على السوريين رفع العلم الفلسطيني لإثبات دعمهم لفلسطين؟ هل على السوريين تقديم أوراق اعتمادهم حتى يدعم العالم قضيتهم؟ الجواب كان واضحا بالنسبة لي: كلا، السوريون ليسوا بحاجة للقيام بذلك. اليوم أخبرني صديق سوري أنه عند بداية الثورة تجنبنا رفع العلم الفلسطيني ليس لأننا لا نؤيد القضية الفلسطينية، إنما لأن هذه القضية جرى استغلالها من قبل النظام إلى درجة تحويلها إلى مجرد أداة سياسية، نحن نحب فلسطين كثيرا لكننا لا نقبل بتحويلها إلى مجرد أداة سياسية، لذلك تجنبنا استعمال العلم. وأعتقد أنه على السوريين أن لا يفعلوا ذلك، السوريون ليسوا مرغمين على رفع العلم الفلسطيني لإثبات دعمهم لنا. لأن فلسطين ليست علما. بكل تأكيد، فلسطين هي أكثر من ذلك بكثير.

فلسطين هي اللاجئون في مخيم اليرموك الذي دعموا الثورة منذ اليوم الأول، الذين ساعدوا المهجرين السوريين كما شاركوا في المظاهرات، ووثقوا الثورة، وقدموا يد العون بقدر استطاعتهم. الثورة هي اللاجئون الفلسطينيون في مخيم الرمل في اللاذقية الذين تعرضوا لحملة قمعية شرسة خلال شهر تموز عام 2011. الثورة لا تكمن في قصور النظام، وليست شعارا يردده زعيم المقاومة الذي يظن أنه بمجرد قيادته لحركة مقاومة فإن ذلك يعطيه الحق في الكلام باسم الفلسطينيين، وقتل الأبرياء في سوريا ليس فقط باسم المقاومة إنما أيضا باسم فلسطين. لذلك، أعتقد أنه ليس على السوريين إثبات أي شي لأي شخص.

ثانيا، حتى لو افترضنا أن النظام السوري يدعم فعليا المقاومة الفلسطينية، هل ذلك يعني أن هذا الأمر يسمح للنظام السوري بالسيطرة على سوريا، ولمنع الناس من التعبير عن آرائهم، ولقتل وتعذيب مئات الآلاف من السوريين فقط لأنهم تجرأوا على قول لا لنظام قمعي استمر أكثر أربعين عاما؟ بالطبع لا. حتى لو كان بشار الأسد الشخص الوحيد القادر على تحرير فلسطين فإنني لا أؤيده، وأنا على ثقة أن العديد من الفلسطينيين سيتخذون الموقف عينه. لأن تحررنا لا يمكن أن يتم مقابل استعباد شعب آخر، وخاصة عندما يكون هذا الاستعباد استبعاد لإخوتنا وأخواتنا في سوريا.

في الواقع، النظام السوري لم يكن يوما داعما لفلسطين، بالنسبة للنظام السوري، كانت فلسطين دائما ورقة توت، وكانت دائما أداة سياسية. بدأ الأمر في السبعينيات مع مساعدة النظام السوري للميليشيات في لبنان لسحق اللاجئين في تل الزعتر. حصار ومجزرة تل الزعتر لا يمكن نسيانهما. والمجازر التي ارتكبتها حركة أمل بدعم من النظام السوري في لبنان خلال الثمانيينات ضد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وضد منظمة التحرير الفلسطينية لا يمكن نسيانها كذلك. والحصار الذي يفرضه النظام على مخيم اليرموك، ومنع الناس من الحصول على المساعدات الطبية أو حليب الأطفال، ومنع الناس من الخروج والدخول إلى المخيم، لا يمكن السكوت عنه ولا يمكن تجاهله، كما يفعل العديد من الناس للأسف حيث يعتقدون أن النظام يقوم بذلك من أجل المقاومة، وأن هذا النظام يحترم حقوق الإنسان بالنسبة إلى الفلسطينيين.

اليوم، كفلسطينية، لست بحاجة قول كل ذلك إلى الكثير من الناس لإقناعهم بعدالة القضية السورية. لأن رأيي شديد الوضوح بأن هذه الثورة هي ثورة الحرية والكرامة. ولكن للأسف بالنسبة إلى العديد من الناس هنا في فلسطين، لأن هناك حالة استقطابية بين الفلسطينيين، كما هو الحال في العديد من الدول العربية، حول النظام السوري، كان علينا أن نقول ذلك مرارا وتكرارا، وأن نحاول إقناع رفاقنا- أو رفاقنا السابقين- أنه عليهم التوقف عن دعم النظام السوري، وكل ما نسمعه عن دعم النظام السوري للمقاومة ليس سوى دعاية سياسية.

ولكن ذلك لم ينفع للأسف. يتمسك بعض الناس بآرائهم المؤيدة للنظام. وإذا كنا نريد الحديث عن ردة فعل الفلسطينيين تجاه الثورة الفلسطينيين، فنجد أنها متعددة. للأسف اليسار، بشكل أساسي التيار اليساري المهيمن، يدعم نظام بشار الأسد. وهنا تكمن المفارقة، لأن أحد الأطراف الأكثر تأييدا للنظام هو الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي يدعم النظام لأنه، على حد قوله: “هذا النظام مناهض للإمبريالية”. ولكن في نفس الوقت، لم يجد هذا الحزب أي مشكلة للمشاركة في الاحتجاجات جنبا إلى جنب مع الصهاينة في تل أبيب، إلى جانب الصهاينة الليبراليين على سبيل المثال. فكيف تقول أن دعمك للنظام السوري لأنه ضد الإمبريالية من جهة، ومن جهة أخرى تشارك في الاحتجاجات إلى جانب الصهاينة؟

وهناك من يقول أنه أيّد الثورة السورية عندما كانت غير عنفية، ولكن، بعد ذلك، تحولت إلى ثورة مسلحة وبالتالي لا يمكننا دعمها بعد الآن، لأنها اختُطفت. نعم، الثورة السورية اختُطفت في الحقيقة، ونحن نعلم أن العديد من السلفيين والجهاديين والكثير من المجموعات، منها من هو مقرب من الولايات المتحدة والدول الإمبريالية الأخرى التي حاولت خطف الثورة السورية. ولكن هذا لا يعني أن الثورة السورية مشوهة، ولا يعني أنه لمجرد اختطاف الحركة الثورية يجب علينا الوقوف على الهامش والتوقف عن دعمها.

بالطبع، لا زال هناك الكثير من الثوار العاملين على الأرض، والعديد منهم من الحركة غير العنفية، وهناك العديد من الكتائب المسلحة غير الطائفية وهذا أمر لا يمكن تجاهله. وإذا اختطفت الثورة لا يمكننا البدء بلوم الناس على ذلك. نحن في الواقع نفعل كل شيء إلى جانب الشعب من أجل إعادة الثورة إلى السكة الصحيحة. وهذا ما لا يفهمه العديد من اليساريين.

اليوم، على الجانب الآخر هناك مجموعة واسعة من اليمينيين والإسلاميين الذين يدعمون الثورة في سوريا ولكن ليس لأنهم يؤمنون بالكرامة والحرية، إنما لأنهم يعتقدون أنها انتفاضة سنية ضد النظام العلوي. لهذا السبب كان من الصعب بالنسبة لي المشاركة في الاحتجاجات التي نظمها الإسلاميون دعما للثورة، لأنه بالنسبة لي، على الرغم من مشاركة حركات إسلامية في الثورة، فإنها تبقى ثورة من أجل الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة. ولهذا السبب لا يمكن الاتفاق مع موقف الإسلاميين هنا في فلسطين الذين يدعمون الثورة لأنهم يرونها ثورة السنة ضد العلويين.

اليوم، هناك جزء صغير من اليسار الفلسطيني يدعم الثورة السورية ولا يقدم المحاضرات للسوريين حول ما يتوجب عليهم فعله، أو يقول أنها فشلت. نجحنا في تنظيم بعض الاعتصامات، في حيفا على سبيل المثال، وفي القدس، وفي أماكن أخرى من فلسطين. وعلى الرغم من قلة المشاركين في الاعتصامات لكن كان إظهار دعمنا للشعب السوري يعني لنا الكثير، لإظهار أن الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة يقفون معكم، وهناك أشخاص لا يمكن لدعاية النظام السوري السياسية أن تغشهم.

في سوريا، هناك فرع للمخابرات، وهو أحد فروع المخابرات الأكثر شهرة في سوريا، اسمه “فلسطين”. هذا يعني أن الناس يتعرضون للتعذيب، ومن بينهم فلسطينيين، باسم بلدنا، وباسم قضيتنا، لأننا نؤمن بأنها مسألة تتعلق بالحرية.

اليوم، أقول للفلسطينيين وللذين يعتقدون أن النظام هو داعم فعلي لفلسطين، والذين لا يؤيدون الثورة، والذين يقفون جانبا يقولون: “لا، نحن لا نريد دعم الثورة”، أو الذين يقفون على الحياد إليهم أقول: لكم فلسطينكم ولي فلسطيني.

فلسطينكم هي فرع الاستخبارات في دمشق الذي يقتل ويعذب الناس، أما فلسطيني فهي الشهيد خالد بكراوي، شهيد من مخيم اليرموك، الذي اعتقل وتعرض للتعذيب حتى الموت. فلسطينكم هي خطاب بشار الأسد، أما فلسطيني فهي هتافات الحرية التي صدحت بها حناجر المناضلين في حماه. فلسطينكم مجرد كلام فارغ، أما فلسطيني فهي سكان بستان القصر الذين رفعوا صورة سامر العيساوي، المعتقل الذي أضرب عن الطعام داخل سجون الاحتلال الصهيوني.

فلسطيني هي الشعب من شمال إلى جنوب سوريا وهم يهتفون مع غزة خلال العدوان الأخير العام الماضي: “يا غزة، نحنا معاكِ للموت!” قاموا بذلك في وقت كان نظام الأسد يقصفهم. فلسطيني هي الشباب السوري الثائر في دمشق الذين رفعوا لافتة تضامنية مع فلسطيني النقب بعنوان: “برافر لن يمر!”

إذا، الثوار السوريون، حتى عندما يواجهون أفظع أشكال التعذيب، والاضطهاد، والقمع، لا يزالون يتذكرون إخوانهم وأخواتهم في فلسطين، وما زالوا يهتفون تضامنا معهم ولم ينسوا، كذلك، المعتقلين.

لذلك، أعتقد أنه من المهم تذكر، المئات الآلاف من المعتقلين السوريين والفلسطينيين الذين ما زالوا قابعين في سجون النظام، منهم على سبيل المثال علي الشهابي، الشيوعي الفلسطيني الذي اعتقل في سجون النظام السوري لمدة سنة تقريبا، وماهر الجاجة أيضا، شاب من مخيم اليرموك للاجئين، الذي اعتقله النظام لأكثر من سنة، ولا أحد يعلم مجريات قضيته حتى الآن.

كما لا يمكن نسيان الشهيد أنس عمارة، الذي اغتيل لمجرد أنه حاول إدخال مساعدات إلى مخيم اليرموك للاجئين في محاولى منه لكسر الحصار. فلسطيني هي أيضا جهاد أسعد محمد، الصحفي السوري الذي كان يكتب، قبل الثورة في سوريا، دائما تضامنا مع فلسطين، والذي مثله مثل الكثيرين لا يؤمن بأن فلسطين هي فلسطين بشار الأسد، إنما هي قضية تعني كل العرب.

لذلك، أريد أن أسأل سؤالا إضافيا: أطلب من الناس الذين يعتقدون أن بشار الأسد يدعم فلسطين أو يصدقون دعايته السياسية، إقرأوا القليل من التاريخ، إقراوا عما فعله والده لفلسطين وللمخيمات الفلسطينية. وإذا لم تقتنعوا، لا تنسوا هذه الحقيقة، لا تدعوا المكاسب السياسية تؤثر على دعمكم للثورة في سوريا. لأنه من الواضح أن الأمر لا يتعلق بالجيوسياسة. نحن لا نعرف ما إذا كان انتصار الثورة في سوريا سيؤثر على القضية الفلسطينية. من الممكن أن تلحق ضررا بها، لا أعرف. ولكن الأمر لا يهمني من ناحية أخرى. لأن دعمي للثورة في سوريا هو غير مشروط.

وأعتقد أنه على الرغم من أن الأمور تصبح أكثر تعقيدا، وعلى الرغم من أن كل المجموعات المروعة تحاول اختطاف الثورة في سوريا، وخاصة الدولة الاسلامية في العراق والشام، التي يعارضها العديد من السوريين، أنفسهم الذين تظاهروا ضد النظام يتظاهرون أيضا ضد الدولة الإسلامية، لذلك لدي ملء الثقة بهؤلاء الناس. لدي ملء الثقة بسعاد نوفل، وكل الثقة بأولئك المصرين والصامدين في دمشق ودرعا، مهد الثورة، وفي حلب والسلمية، المدينة الرائعة التي لا تزال تتظاهر منذ الأيام الأولى لانطلاقة الثورة.

لدي كل الثقة بهؤلاء الناس، وعلى الرغم من أن الأمور تزداد تعقيدا أكثر فأكثر، بأنهم سينجحون في الحفاظ على سيرورة الثورة، وحتى لو أضر ذلك بقضيتي لأنني في الواقع غير مهتمة. ولكن ما يعنيني هو حرية وكرامة إخواني وأخواتي السوريين والسوريات، وأرفض أن يتم استخدام اسمي أو اسم بلدي أو قضيتي بهدف قتل أخواتي وإخواني في سوريا.

* * * * * *

In April of 2011 a famous megastar Egyptian blogger told Syrian revolutionaries that they needed to raise Palestinian flags during the demonstrations on Friday just to prove that they support the Palestinian resistance and to deny the narrative by the regime that the regime supports the Palestinian cause.

Now I asked myself then, do Syrians have to do that? Do Syrians have to raise the Palestinian flag just to prove that they support Palestine? Do Syrians have to show their nationalist credentials so the world supports their cause? And the answer was clear to me then: No, Syrians do not have to do that. Now a Syrian friend told me at the start of the uprising that we avoided raising Palestinian flags and talking about Palestine not because we don’t support the Palestinian cause, but because this cause was exploited by the regime to a degree that turned it into just a political tool, and we love Palestine so much that we don’t agree to turn the cause into a political tool, and this is why we avoided using it. And I think that Syrians do not have to do this, Syrians do not have to wave a Palestinian flag to prove that they support us. Because Palestine is not a flag. Definitely Palestine is much more than that.

Palestine is the refugees in Yarmouk camp who supported the revolution from the first day, who aided displaced Syrians and who participated in protests, documented the uprising, and helped as much as they could. The revolution is also the Palestinian refugees in al Raml refugee camp in Latakia who took a hard beating by the regime and had to deal with a heavy crackdown starting from July 2011. And the revolution lives not in the palaces of the regime, nor in the speeches of a resistance leader who thinks that just because he leads a resistance movement this gives him the right to speak in the name of Palestinians, and to kill innocent people in Syria not just in the name of resistance but also in the name of Palestine. So this is why I think that Syrians do not have to prove anything to anyone.

Secondly, even though if we suppose that the Syrian regime does in fact support the Palestinian resistance, does it mean that this allows the Syrian regime to control Syria, to prevent people from expressing their opinions, to kill and torture hundreds of thousands of Syrians just because they dare say no to more than 40 years of oppression, to more than 40 years of injustice? Of course not. Even if Bashar al Assad was the only person capable of liberating Palestine I would not support him, and I’m sure that many Palestinians would not do so either. Because our liberation cannot be established on the enslavement of another people, particularly when this enslavement is an enslavement of our sisters and brothers in Syria.

And in fact the truth is that the Syrian regime has never truly supported Palestine; for the Syrian regime, Palestine has always been a fig leaf and always been a political tool. And it started from the 1970s when the Syrian regime helped other militias in Lebanon to crack down on the refugees in Tel al-Zaatar. The siege and massacre in Tel al-Zaatar cannot be forgotten. And the massacres that the regime helped the Amal party in Lebanon commit in the 1980s also against refugees in Lebanon and against the PLO cannot be forgotten either. And the siege the regime is imposing in Yarmouk refugee camp, preventing people from getting medical aid or baby milk, preventing people from going in and out of the refugee camp, cannot be tolerated and cannot be just ignored, as many are doing unfortunately just because they think that this regime is for resistance, and that this regime is for the human rights of Palestinians.

Now the thing is that me as a Palestinian, I don’t need to say this for many people just to convince them about the justice of the Syrian cause. Because in my opinion it is very clear that this revolution was a revolution for freedom and dignity. But unfortunately for many of us here in Palestine, because there is a polarization among Palestinians, as is the case in many other Arab countries, about the Syrian regime, we had to say it over and over again and to try to convince our comrades — or our former comrades – that they need to stop supporting the Syrian regime, that all we hear about the Syrian regime’s support of resistance is nothing but propaganda.

Now unfortunately it didn’t really help. People mostly stick to their opinions regarding the regime. If we want to talk about what the reaction of Palestinians toward the Syrian revolution is, it varies. Unfortunately the left, mostly the mainstream left, supports the Assad regime. And here lies the irony, because one of the most supportive parties of the regime is called the Israeli Communist Party, and it supports the regime because, it says, “Well, this regime is against imperialism.” But at the same time these people had absolutely no problem in participating in protests alongside Zionists in Tel Aviv, liberal Zionists for instance. So how can you say that you support the Syrian regime because it is against imperialism and on the other hand participate in protests with Zionists?

And also there are others who say that we supported the Syrian Revolution when it was nonviolent, but then after it got violent we couldn’t support it anymore, and it was hijacked. So yes, the Syrian Revolution was indeed hijacked, and we know that there are many Salafis, many jihadists and many other groups, and many pro-America and pro-imperialist groups that tried to hijack the Syrian Revolution. But that does not by any means tarnish the Syrian Revolution, and it also doesn’t mean that just because a revolutionary movement was hijacked that we should stand on the sidelines and stop supporting it.

Of course there are still so many revolutionaries working on the ground, many of them are nonviolent, and there are even many nonsectarian armed brigades that we cannot ignore. If the revolution was hijacked we don’t just go and start blaming the people for it being hijacked. We actually do everything to side with the people in order to get the revolution back on the right track. And this is what many leftists couldn’t understand.

Now on the other side of the spectrum you have the right wingers and the Islamists who support the Syrian Revolution but not truly because they believe in the right of freedom and dignity, but because they think that it is a Sunni uprising against an Alawite regime. Now this is why it was for me very hard to participate in protests organized by Islamists in support of the Revolution, because for me, although of course there are religious movements inside the Revolution, it still a Revolution for freedom, equality, social justice and dignity. And this is why I cannot agree with the line of the Islamists here in Palestine who support the Revolution just because they see it as Sunni versus Alawite.

Now there is a small section among the Palestinian left that supports the Syrian Revolution that doesn’t lecture Syrians about what they have to do, and how they failed. And we managed to organize a few protests, in Haifa for instance, in Jeruslaem, and in other places in Palestine. Although they were small protests I think it meant a lot for us to show the Syrian people that yes there are people in Palestine who stand with you, and there are people who don’t buy into the regime propaganda.

I mean it says a lot that in Syria right now there is an intelligence branch, one of the most notorious intelligence branches in Syria, it’s called “Palestine.” That means that there are people being tortured, including Palestinans, by the way, that are being tortured in the name of Palestine, in the name of our country, in the name of our cause, because we believe it is a cause for freedom.

Now to those Palestinians and to those people who believe that the Syrian regime is truly supportive of Palestine, and who do not support the Revolution, who stand on the side and say “no, we don’t want to support the Revolution, or who remain neutral: I say you have a Palestine and I have my own.

Your Palestine is an intelligence branch in Damascus that kills and tortures people, while my Palestine is Khaled Bakrawi, the martyr from the Yarmouk refugee camp, who was arrested and tortured to death. Your Palestine is a speech by Bashar al-Assad, while my Palestine is the chants of Syrian freedom fighters in Hama. Your Palestine is just empty rhetoric, while my Palestine is people in Bustan al-Qasr raising the picture of Samer Assawi, the hunger-striking prisoner.

My Palestine is people from the north to the south chanting in solidarity with Gaza during the recent war on Gaza last year and saying “Oh Gaza, we are with you ‘til death.” They did it when they were bombarded by the Assad regime and they were shelled. My Palestine is that of the Syrian Revolutionary Youth in Damascus who raised a pamphlet in solidarity with the Palestinians in the Nakab and said “Prawer shall not pass!”

So Syrian revolutionaries, even when they face the most terrible cases of torture, of persecution, and of crackdown, they still remember their sisters and brothers in Palestine, they still chant in solidarity with them and do not forget about the prisoners.

So I think it is very important to remember that, and to remember the hundreds of thousands of Syrians and Palestinian prisoners who still languish in regime jails, for example Ali Shihabi, the communist Palestinian who has been detained in Syrian regime jails for almost a year, and Maher al-Jajeh also, another youth activist from Yarmouk refugee camp, who has been detained by the Syrian regime for more than a year and no one knows what is going on with his case now.

Also we will not forget the martyr Anas Amara, who was murdered simply because he was trying to get aid into Yarmouk refugee camp and trying to break the siege. And my Palestine is that also of Jihad Asad Muhammad, the Syrian journalist who even prior to the Syrian Revolution was always writing in solidarity with Palestine, and who like many others did not believe that this Palestine is Bashar al-Assad’s Palestine, but this is a cause that interests all Arabs.

So I just ask one last thing: I ask people who think that Bashar al-Assad supports Palestine or still believe his propaganda, just go over history a little bit, read more about what he and his father did to Palestine and to the Palestinian camps. And even if you are not convinced, don’t let this fact, don’t let political gains affect your support of the Syrian revolution. Because it is obviously not about geopolitics. We do not know whether if the revolution wins in Syria how will that affect the Palestinian cause. It might indeed damage us, I do not know. But I do not care on the other hand. Because my support of the Syrian Revolution is unconditional.

And I do believe that even though it is getting more and more complicated, and despite all the terrible groups that are trying to hijack the Syrian Revolution, especially the Islamic State of Syria and Iraq, which we obviously oppose like so many Syrians, the same Syrians who started protest against the regime and are also protesting against the Islamic State, so I have faith in these people. I have faith in a woman like Souad Nofal, I have faith in those who are so resilient and steadfast in Damascus and in Daraa, birthplace of the Revolution, and in Aleppo and in Salamieh, the fantastic city that has been protesting since the first days of the uprising.

So I have faith in these people, that even though things are getting more and more complicated, that they can manage to keep the uprising going, and even if this means bad things for my cause I really do not care. What I care about is the freedom and dignity of my Syrian sisters and brothers, and to reject that my name or my country or my cause be used or coopted by the Syrian regime to kill and persecute my sisters and brothers in Syria.

صورة ثورة: رحلة فائق المير

«أين الثوار العلمانيون؟»، يتساءل أحد «اليساريين» الغربيين الجهابذة، والذي غدت مهمته الرئيسية أن ينافس نظيره الإسلاموفوبي على اليمين في مَن يعدّ أكثر على اليوتيوب اللحى والـ«الله أكبر» التي يصرخ بها المقاتلون والمتظاهرون.

«لمَ لم يحتشد السوريون في ساحات مركزية، فيكون لهم ’ميدان تحرير‘ على الطريقة المصرية؟»، يندب مراقب آخر بفهلوية شديدة (شديدة لدرجة أنه فوّت الاعتصام الضخم ضد النظام في ساحة الساعة وساحات الخالدية في حمص وساحة العاصي في حماه ‒يكفي ثلاثة..‒ والذين تم تفريقهم بشراسة من قبل قوى الأمن والجيش النظامي).

«الوضع في سوريا شديد التعقيد. حرب أهلية طائفية بالوكالة. دعنا نأمل أن يحلّ السلام ولنمتنع عن الميل لأحد الأطراف»، يعلّق أحدهم وقد كان عادةً يُمطرنا بمقولات مالكوم إكس (الزعيم الأميركي المسلم) ومارتن لوثر كينغ (الزعيم الأميركي الأسود) عن ضرورة التخلي عن الحياد مع وجود صراع أخلاقي هائل.

أصبح مرهقاً تكرار بديهيات الثورة السورية مرة تلو أخرى. كما أن الثوار السوريين، المضطهدين، ليسوا مضطرين لعبء الدفاع عن عدالة قضيتهم، بينما بشار الأسد يواصل الاستمتاع بالحصانة التامة والشرعية الرئاسية التي يُتعامل معه على أساسها. ولا يَدين السوريون بأي شروحات أو تبريرات لأولئك الذين يصرفون النظر عن تضحياتهم ويركّزون على دعم بل وتمجيد الكفاح المسلح والعنف الثوري في كل مكان سوى سوريا.

الجهل بخصوص الثورة السورية صارخ وصاخَ ولا يمكن التغاضي عنه، ومع ذلك، التأكيد على حقائق بسيطة مراراً وتكراراً مسألة لا يمكن تجنّبها، وما تزال ضرورية، على الأقل كي لا يقول أولئك الناس غداً إنهم لم يتعرفوا إلى واقع الثورة. إذا كنت تتجاهل الثورة السورية أو تقلل من شأن أفاعيل الأسد التي يصعب وصف مدى الوحشية والطغيان فيها، فأنت تغض الطرف عمداً. لا تقل غداً لم يحذروني ولم يخبروني.

بسبب ما لا يحصى من الحواجز التي تمزّق المدينة، وبسبب تواجد أمني مرعب لا مثيل له في أي بلد عربي، لم يتمكن السوريون من ملء ساحة مركزية في دمشق. متراس الثورة الشعبي الأساسي كانت المجتمعات المحافظة والكادحة في ضواحي وهوامش المدن، وقد كانت هذه المجتمعات أكثر من دفع الثمن جراء سياسات بشار الأسد وأبيه من قبله. نفس الناس الذين هتفوا «الله أكبر» ‒تلك الجملة التي بطريقة ما تثير رعب العالم المتمدن أكثر من كل صواريخ سكود والطيران الحربي والقنابل العنقودية في ترسانة النظام‒ هم نفسهم الذين غنوا للثورة في المساجد وحولوا مواكب تشييع الشهداء إلى مظاهرات أشبه بالأعراس. حتى تحت الحصار أو القصف أو التجويع الذي يواظب عليه النظام كانوا بمنتهى الروعة يصونون إباءهم ويلقّنون عالماً ميتاً معنى الحياة.

هذا ناهيك عن أن الذين نزلوا إلى الشوارع مطالبين بإسقاط النظام نفسهم نزلوا إلى الشوارع محتجّين على المتشددين الإسلاميين، ناهيك عن أنهم أُجبروا على خوض عدة معارك على عدة جبهات وحيدِين في وقت واحد. لو كان مؤيدو النظام ومدّعو الحياد ينتقدون النظام كما مؤيدو الثورة ينتقدون مقاومتهم المسلحة ومعارضتهم السياسية، ربما كان يمكن توفير الكثير من الدماء المراقة.

لم يمتلك السوريون كذلك ترف البقاء سِلميين. ولا ترف انتقاء حلفاء لثورتهم؛ وبالتالي من غير المعقول إدانة انتفاضة شعبية بالكامل ببساطة لأن الغرب أو طغاة الخليج العربي زعموا أنهم يدعمونها.

الثوار الجذريون في سوريا لم يختفوا في قبّعة ساحر. معظمهم بين اعتُقل أو قُتل أو أُجبر على مغادرة البلاد، لكن أولئك الذين صمدوا متمسكون بالمبادئ الأصل في الثورة السورية. فائق المير أحد هؤلاء. أو، فائق المير كان أحد هؤلاء؛ فقد انضمّ هو الآخر لقوائم معتقلي الضمير في السجون السورية التي لا تنتهي، وذلك حين قبضت عليه قوى الأمن في منزله في دمشق يوم السابع من تشرين الأول 2013.

ولد فائق في بلدة القدموس في ريف طرطوس، وتخرج من المعهد المتوسط للكهرباء التابع لجامعة حلب. أثناء الدراسة وثم العمل في سد الطبقة في محافظة الرقة، بدأ نشاطه السياسي في بداية السبعينات، وقد انتمى إلى ’الحزب الشيوعي السوري ‒ المكتب السياسي‘، والذي أسسه عام 1972 الشيوعي السوري المعروف رياض الترك. وكان ’المكتب السياسي‘ قد انفصل عن ’الحزب الشيوعي السوري‘ بقيادة خالد بكداش، الستاليني الحليف للنظام البعثي. ’المكتب السياسي‘ كان أحد أوائل الأحزاب اليسارية في سوريا الذي دعا علناً للديمقراطية والتعددية، مما أدى إلى حظره من قبل النظام.

الاعتقال الأول لـ’المير‘ حدث في نيسان 1979، حيث اعتقلته المخابرات العسكرية شهراً بسبب توزيعه مناشير. تلك المدة السريعة في السجن ستكون محض خطوة أولى في رحلة متخمة بالمضايقات والاعتقالات. في آذار 1983 طُرد ’المير‘ من عمله في سد الفرات بطلب من فرع الأمن السياسي، بسبب نشاطه. عام 1987 تم إنذاره بسبب اشتراكه في حزب محظور، وقد أجبره الإنذار على التخفي بينما كانت ابنته فرح في شهرها الثاني من العمر. وفي النهاية تم اعتقال ’المير‘ عام 1989 وحُكم عليه عشر سنوات سجناً فقط بتهمة مناضل شيوعي ديمقراطي. ولم يتمكن من رؤية ابنته حتى 1992 في سجن صيدنايا؛ السنوات الخمس العجاف غيّرنَ من شكله لدرجة أن فرح لم تتمكن من ربط وجهه بصورة الرجل المعلقة صورته في المنزل ‒ بابا!

فائق المير، أو العميم أبو علي كما يناديه أصدقاؤه ورفاقه، كان ذا قلب لا يهزّه اليأس وروح عصية على الانكسار. حتى بعد 10 سنوات في لسجن، لم يضطرب الرجل ولم يتخلّ عن النضال من أجل الحرية والديمقراطية في سوريا. كان مشاركاً نشطاً في «ربيع دمشق»، ذاك الثوران السريع والجدل السياسي والاجتماعي الذي ازدهر بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000 وتبخّر سريعاً وانتهى باعتقال عدد من ناشطيه، ومنهم رياض الترك و’المير‘. الأخير بقي قيادياً في ’المكتب السياسي‘ حيث عقد مؤتمره السادس عام 2005، مغيراً اسمه إلى ’حزب الشعب الديمقراطي السوري‘ ومتبنياً مقاربة اليسار الديمقراطي.

في 2006، تم اعتقال ’المير‘ مجدداً، هذه المرة بسبب زيارة إلى لبنان وحداد على اغتيال الصحفي سمير قصير والسياسي الشيوعي جورج حاوي ‒ وكلاهما معروف بمعارضته للنظام السوري. اتُهم بإضعاف الروح القومية ووهن عزيمة الأمة، وهي أشياء يرمى بها أي ناشط ديمقراطي في سوريا. ليس مفاجئاً أن نظاماً عيّن نفسه تجسيداً لـ«الأمة» وراح يجرد السوريين من أصواتهم وحقهم في تقرير مصيرهم يتهم كل من يجرؤ على تحدي سطوته وسرديته بـ«وهن عزيمة الأمة».

كان ردّ ’المير‘ على التهم الموجة إليه في المحاكمة، كما ذكر الكاتب اللبناني زياد ماجد، أن قال «هدفي الحفاظ على الاستقلال الوطني وتحرير الجولان وإنهاء الاستبداد وإقامة الدولة الديموقراطية… إننا مستمرون في معركة الديموقراطية».

فائق المير جسّد القيم الحقيقية لليسار، ليس فقط لدفاعه عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بل أيضاً لأنه طالما عمل على الأرض بلا تعب وبلا خجل من أشياء قليلة الجاذبية. لقد كان تمرّده المدهش والتزامه المستحيل هما ما جعلاه يدفع الثمن من أجود سنوات حياته، وينفصل عن عائلته، محروماً من حقه في حياة أو ما يشبه حياة طبيعية.

بعد كل ذلك، منطقي جداً أن يكون فائق المير بين الطليعة التي انضمت إلى الثورة السورية من أجل الحرية والكرامة التي انطلقت في آذار 2011. يوم انطلقت الثورة، كان فائق المير قد أجبر على التخفي (مرة أخرى) بعدما داهمت قوى الأمن السوري منزله في طرطوس عام 2010 وحكمت عليه محكمة في دمشق غيابياً بخمس عشرة سنة. لكن ذلك لم يمنع ’المير‘ من المشاركة الفاعلة في الثورة، فقد شارك في مظاهرات ضد النظام في دمشق وريفها خلال المراحل الأولى من الانتفاضة.

بالإضافة إلى ذلك، عمل عن قرب مع الشهيد عمر عزيز، وكان بين قليلين آمنوا ودعموا بحماس فكرته ورؤيته بخصوص تأسيس مجالس محلية. ’المير‘ كان مع الشهيد عزيز حين أبصر النور المجلس المحلي في برزة في العاصمة دمشق. «شو هالشعب الرائع! شو هالثورة!»، يستذكر ’المير‘ صرخات عزيز وهو يشهد المشاركة الشعبية المذهلة في المجلس المحلي في برزة، والسعادة التي طغت عليه مع تحقيق الشكل الأول من الحكم الذاتي في سوريا الثائرة.

’المير‘ سيستمر بعد ذلك في تنظيم المساعدات وأعمال الإغاثة في الغوطة الشرقية، التي لا ينتهي حولها الحصار أو عليها القصف.

قدرة أبو علي على البقاء مفعماً بالأمل والإيجابية حتى خلال أشد اللحظات كآبةً مذهلة وملهمة. أحد أصدقائه المقربين، وهو ناشط شاب، يقول: «رغم أنه في التاسعة والخمسين، كنا نشعر أن بو علي أصغر منا جميعاً. كان يعاملنا بحنوّ الأب وروح الصديق، ولم يتصرف معنا بفوقية يوماً، ونادراً ما ذكر تجربته في السجون».

أبو علي، المعتقل السياسي السابق الذي لم يحدث أن استخدم تجربته في السجن عذراً له للتراخي أو للحصول على امتياز في المعاملة؛ الأب المحبّ والزوج الذي قضى وقتاً أطول ما بين السجن والخفاء مما بين أبنائه وزوجته الصامدة، سمر؛ الناشط الجذري المجتهد والذي، رغم انتمائه إلى أقلية دينية، لم يحبس نفسه في طائفة، وفضّل الإيمان بثورة الشعب وبأنه لا يحق لأحد ولا لطائفة طلب أو توقّع ضمانات مقابل الانضمام للثورة؛ الإنسان المتّقد الذين لم يتوقف عن المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلقاء الضوء على قضيتهم… أبو علي نفسه اليوم معتقل.

قبل أيام قليلة جداً من اعتقاله، كتب فائق المير على صفحته على فيسبوك دعوة لإطلاق سراح صديقه خليل معتوق في ذكرى اعتقاله السنوية الأولى. معتوق محامٍ وحقوقي معروف، وهو الذي دافع عن ’المير‘ في محكمة 2007. وللمفارقة المفجعة هما معاً في السجن الآن، وهما، كالملايين من السوريين، مستهدفان ومعاقبان بسبب كفاحهما من أجل غد أفضل لسوريا، غد بلا استبداد، غد بلا اعتقال سياسي، غد بلا أسد وأسديين.

Portrait of a Revolution: The Journey of Faiek al-Meer

Budour Hassan
Published in TheRepublicGS.net

«Where are the secular rebels?» wonders one apprehensive Western «leftist», whose main task has become to emulate his Islamophobic counterpart on the right by counting the number of beards he sees in a YouTube video and the «Allahu Akbars» the fighters and demonstrators shout out.

«Why did Syrians not pack central squares like Egyptians, creating a Tahrir Square of their own?» laments another remarkably keen observer (so keen, in fact, that he managed to miss the huge anti-regime sit-ins in Homs’s Clock and Khaldiyeh Squares and Hama’s Assi Square – to name but three – all of them ruthlessly dispersed by the Syrian regime’s security forces and army).

«The situation in Syria is too complex. It’s a sectarian civil proxy war. Let us just hope for peace and refrain from taking sides», comments he who bombs us with quotes by Malcolm X and Martin Luther King on the duty to abandon neutrality in times of great moral conflict.

Repeating the basics about the Syrian revolution time and again has become exhausting. And Syrian revolutionaries, the oppressed, should not have to bear the burden to prove the justice of their cause while Bashar Al-Assad continues to enjoy full impunity and treatment as a legitimate president. Nor do Syrians owe explanations and justifications to those who dismiss their sacrifices and insist on supporting and even glorifying armed resistance revolutionary violence everywhere except in Syria.

Because of the countless checkpoints tearing the city apart and a security presence unmatched by any other Arab country in heft, Syrians never had the ability to fill a central square in Damascus. The main social bulwark of the revolution exists in conservative working class communities in the suburbs and the periphery because these communities have suffered the most damage at the hands of both Bashar al-Assad and his father. The same people who shout Allahu Akbar—that phrase that somehow manages to frighten the civilised world more than the regime’s SCUD missiles, fighter jets and cluster bombs— also sing revolutionary songs in mosques and turn funeral processions of martyrs into wedding-like protests. Even while besieged, shelled and starved to death by the regime, they miraculously remain defiant and teach life to a dead world.

Never mind that first people who took to the streets demanding the overthrow of the regime also took to the streets protesting against Islamist extremists. Never mind that they are forced to fight several battles on several fronts at once and by themselves. Perhaps, if regime supporters or those who claim neutrality were a fraction as critical of the regime as supporters of the revolution are critical of armed resistance and political opposition, we would have been spared most this bloodshed.

The ignorance regarding the Syrian revolution is too deafeningly loud to overlook at this point. Yet, stressing simple facts over and over again is unavoidable and still quite necessary, if only for the sole purpose of establishing that people cannot say they did not know about the reality of this revolution. If you are ignoring the Syrian revolution or are minimizing Assad’s unspeakably inhumane and dictatorial actions, you are willfully looking the other way. Don’t say you weren’t warned or informed.

Syrians also did not have the luxury to remain peaceful or pick and choose their allies. It is thus preposterous to denounce an entire popular uprising simply because the West and GCC tyrannies supposedly back it.

As for Syria’s grassroots rebels, they haven’t magically disappeared. The majority were imprisoned, killed or forced to leave the country, but those who have remained are clinging to the original principles of the revolution. One of them is Faiek al-Meer. Or rather, Faiek al-Meer was one of them. But he, too, joined the endless lists of prisoners of conscience detained by the Syrian regime when he was arrested by its security forces from his Damascus home on 7 October, 2013.

Born in 1954 in the town of al-Qadamous in the Tartous countryside, al-Meer graduated from the Intermediate Technical Institute of Aleppo University with a degree in electrical techniques. While studying and then working in at-Tabqa Dam in ar-Raqqah governorate, he began his political activism in the early 1970s, joining the Syrian Communist Party (Political Bureau), founded by prominent Syrian communist Riad al-Turk in 1972. The SCP-PB split from the Syrian Communist Party, the latter led at the time by Stalinist Khalid Bakdash who allied with Hafez Al-Assad’s Baathist regime. The SCP-PB was among the first leftist parties in Syria that openly advocated for democracy and pluralism. It was thus banned by the Syrian regime.

Al-Meer’s first arrest came in April 1979 when he was detained for a month by the military intelligence for distributing pamphlets. That brief stint in jail would prove to be only but a first step in a journey crammed with persecution and arrests. In March of 1983, al-Meer was fired from his job at the Euphrates Dam at the request of the political security branch due to his political activism. In 1987, he was indicted for participating in a banned party. The indictment forced him into hiding when his daughter Farah was only two months old. Al-Meer was eventually arrested in 1989 and was sentenced to ten years in jail for the crime of being a communist striving for democracy. He could not see his daughter until 1992 in Saidnaya prison; those rocky five years changed his complexion so much that Farah failed to recognise that he was her father.

Faiek al-Meer, or Uncle Abu Ali as his friends and comrades call him, possessed an unbreakable spirit and a heart unshakable by despair. Even after spending 10 years in jail, he did not waver or abandon the struggle for freedom and democracy in Syria. He was an active participant in the «Damascus Spring», a short-lived outburst of political and social debate that flourished following the death of Hafez al-Assad in 2000 but was quickly snuffed out resulting in the arrest of several of its activists, including Riad al-Turk and al-Meer. He remained a leading member in the SCP-PB as it held its sixth congress in 2005, changing its name into the Syrian Democratic People’s Party and adopting the approach of social democracy.

As pointed out by Lebanese journalist Ziad Majed, al-Meer responded in his trial to the charges saying: «My aim is to maintain Syria’s sovereignty, liberate the occupied Golan, end tyranny and create a democratic country… andhe battle for democracy will go on».

Faiek al-Meer embodied the true values of the left, not just because he advocated for democracy and social justice, but also because he always worked tirelessly on the ground, never shying away from doing the unattractive stuff. It was that incredible insubordination and commitment that cost him the best years of his life, separated him from his family, and denied him the right to lead anything resembling a normal life.

It was only fitting, then, that Faiek al-Meer would be among the first to join the Syrian revolution for freedom and dignity in March 2011. By the time the revolution began, Faiek al-Meer had already been forced into hiding (again) after Syrian security forces raided his family home in Tartous in 2010 and a Damascus court had sentenced him to 15 years in absentia. This did not stop al-Meer from participating actively in the revolution, however. He took part in anti-regime protests in Damascus and its countryside during the early stages of the uprising.

In addition, he worked closely with martyr Omar Aziz and was one of the few people who believed in and fervidly supported Aziz’s idea and vision to found revolutionary local councils.  Al-Meer was with martyr Aziz when the first local council in Barzeh, Damascus saw light. He remembers vividly the happiness that overwhelmed them at achieving the first form of self-governance in revolutionary Syria. «What a wonderful people! What a revolution!», he recalls Aziz exclaiming upon witnessing the stunning popular participation in the Barzeh local council.

Al-Meer would later go on to organise aid and relief work in the besieged and constantly under-shelling eastern Ghouta.

Abu Ali’s capacity to remain hopeful and positive even during the most morose periods has been astounding and inspiring. One of his close friends, a young activist, says: «Though 59, we felt that Abu Ali was younger than all of us. He treated us with the love of a father and the spirit of a friend and never acted with superiority. He also rarely mentioned his experiences in jail».

Abu Ali, the former political prisoner who never used his experience in prison as an excuse to relax or to attain privileged treatment; the loving father and husband who has spent more time in jail and in hiding than with his two children and steadfast wife, Samar; the assiduous grassroots activist who, despite coming from a religious minority, never confined himself to a sect instead believing in the people’s revolution and that no-one or sect should demand or expect guarantees in order to join the uprising; the warm-hearted man who ceaselessly demanded the release of political prisoners and shed light on their case. Abu Ali is now a prisoner himself.

Only a few days before his arrest, Faiek al-Meer would write on his Facebook page a call to release of friend Khalil Ma’atouq on the first anniversary of Ma’atouq’s arrest. Maatouq, a prominent human rights lawyer who represented al-Meer during his 2007 trial, has been in Syrian regime jails for over a year. Fatefully, the two are in jail now. And they, like millions of Syrians, are targeted and punished for fighting for a better tomorrow for Syria, a future without despotism, a future without political prisoners, a future without Assad and his regime.

الشهيد هرمان والاس

”حبيبتي (ماريا)، كفكفي دموعكِ!
أنا لم أمُتْ.. إِنَّ من يرحلونَ وهم قابضون على النارِ المقدّسةِ بأصابعَ نحيلةٍ ومتشقّقةٍ لا يمكنُ أن يقال عنهم أموات.
دعيهم يحتفلوا ويتبادلوا أنخابَ انتصارِهِم على جسدي الكسيح، فهم لا يعلمونَ أنّي غادرت إمبراطوريّتَهُم المترهّلةَ، وأني أُقيمُ في محلّة أنقى وأرقى. أنا يا (ماريا) في مكانٍ لا تَحكُمُهُ قوانينُهم الشّائهةُ وقراراتُهم الزائفة ومكاتبهم المتكبّرة، مكانٍ لا تستطيعُ أحذيتُهم المُلمَّعةُ أن تطأَهُ كي تسحقَ بشراتِنا الدّاكنةَ وصدورَنا السّمراءَ وجِباهنا المتعرّقة، مكانٍ لا تنهشُ فيه براثِنُ العدلِ العسوفِ لحمَ الفقراءِ والمهاجرينَ والمُشرَّدينَ والعاهرات، إنه يا (ماريا) مكان يكفر بالحكم والتحكيم والحكّام والحكماء.

”حبيبتي (ماريا)،
سامحيني لأنّي رحلتُ قبلَ أن أعانقَكِ تحتَ ضوءِ قمر، وقبل أن أقبّلَ الشفاه اللواتي أنهكتهن الأربعون.. أربعون يا (ماريا)، أربعون من الانتظارِ والأملِ بمعجزةِ مسيحٍ جديد… لم يتسنَّ لنا أن نعيشَ في بيتنا الّذي صمّمته في زنزانتي الضّيّقة… ولكنّنا سنلتقي يا قمري ذات قمر، وسأُسمعك غزلي البذيء الذي حفظه لكِ خطّي الرديء في تلك العتمة. فإن افتقدتِني في الليل إلى ذلك الحين فانظري إلى السماء.

”السّيّدة (تيني)،
أنا أفهمُ ألمَكِ، ولكن جسدي ذوى قبل أن أخبركِ بذلك، وقبل أن أشكركِ لإيمانكِ ببراءتنا.
أنتِ تدركينَ كم من الظُّلمِ والغُبنِ فُرضَ علينا. لقد مكثتُ اثنين وأربعين عامًا وحيدًا في زنزانةٍ مرعبة، لم يُسمح لي بمغادرتها إلّا ساعةً في اليوم على أكثر تقدير، لا لأنني قاتل بل لأنّي كنتُ ناشطًا ضدّهم داخل السّجن، ولأنّ لونَ بشرتي كان الّلونَ الخطأ. تعرفين أننا لم نقتلْ زوجَكِ. بصماتُ القَتَلَةِ لا تشير لنا، ومحاكمتُنا كانت منافيةً حتّى للدّستورِ الذي يتشدّقونَ بقدسيّته.

”شقيقاتي الخمس،
فلْتكُنْ ضحكاتكنّ وضحكاتُ أطفالكنّ أبلغَ انتقامٍ لنا من العنصريّةِ الّتي سرقت أحلامَنا وخبزَنا وعرقَنا وحياتَنا، والتي عَجِزَت عن اغتيالِ حبّ الحياةِ في قلوبِنا.

”(روبرت) و(آلبرت)، رفيقيَّ المخلصينِ في درب الآلامِ الموحشة،
ليتني استطعتُ إقناع السّجانينَ أنَّ أصفاد أسيادهم لا تكبّل إلا أطرافنا. ليتني استطعت إقناعهم أن الشّمسَ التي تحجبها الأقبية الدّامسةُ تستمدّ النور من قلوبِنا وأرواحِنا. ليتني استطعت إقناعهم أنّ التّعذيبَ عبث على قشرة الروح، وأن كسْرَ الأضلاع لا يكسرُ الجبين، وأنّنا، على قسوة ما فعله بنا العبيدُ أتباعُ العبيد، كنا نضيء وكانت تغسلنا الملائكة.
لم أستطع إقناعهم بذلك، ولن تستطيع، يا (آلبرت). ولكنك ستنتزع حرّيَّتكَ منهم كما انتزعها (روبرت) قبل اثنتي عشرةَ سنةً، وكما انتزعتُها أنا قبل أُسبوع. فخبّئ يقينك.

”إلى اللقاء يا رفاقي.. في كونٍ أكثرَ عدلًاً.

”أنا حُرّ.. أنا حُرّ!“

— هرمان والاس (1942-2013)

louisiana

* اعتُقل (هرمان والاس) بتهمةِ السّطو المسلّح في أنغولا في ولاية لويزيانا الأميركية عام 1972
* انخرط مع (آلبرت وودفوكس) في حزب الفهودِ السّوداء الثّوري ضمن أوّلِ فرعٍ يفتتحه الحزب داخل السّجون
* بسبب نشاطهما السّياسيّ، اتُهم (والاس) و(وودفوكس) بقتل أحد الحرّاس. ورغم عدم دستوريّة المحاكمة وعدم توفّر أدلّة كافية، أُدينَ النّاشطانِ بجريمة القتل العمد وحُكمَ عليهما بالسّجنِ المؤبَّد الانفراديّ
* عام 1974 حُكِمَ على سجينٍ آخر (روبرت كينغ) بالسّجن الانفرادي طويلِ الأمد. وعُرِفَ مع صاحبيه بلقب ثلاثي أنغولا
* أُطلق سراح (كينغ) في العام 2001 بعد تبرئته وإلغاء الحكم الذي صدر بحقّه
* في 1 تشرين الأول 2013 قرّر القاضي في محكمة لويزيانا الفدراليّة إلغاء الحكم الصّادر بحقّ (والاس) لعدم دستوريّة محاكمته
* خرج (والاس)، المحتضر والمصاب بسرطان الكبد، لأوّل مرّةٍ إلى النّور بعد حوالي 42 سنةً في غياهب السّجن، ونُقل مباشرةً إلى العناية المكثّفة في مشفى نيو أورلينز
* بعد يومٍ واحد فقط طالبت النّيابة العامّة في لويزيانا بإعادة فتح القضيّة من جديد، غيرَ عابئةٍ بدنوِّ أجله ومُدّعيةً وجود ما يكفي من الأدلّة لإدانتهِ مرّةً أخرى
* توفّي (والاس) يوم الجمعة 4 تشرين 2013 بعد ثلاثةِ أيّامٍ على الإفراج عنه!

(والاس) ضحيّة أخرى من ضحايا الفاشيّة المقنّعة المعاصرة، التي تقوم شرعيّتها في جزء كبير على تمأسسها، وكأن ما كان منظّمًا بشكلٍ جيّد هو حتمًا مضمونُ العدالة…

هي ديكتاتوريّةُ المؤسّسة، البيروقراطية المحكمة التي تعملُ بنجاعةٍ على تيسيرِ حياة النُّخَب وتسهيل عمليات القمع وتجميلِها وجعلِ حياةِ المهمَّشين ركامًا طويلًا من الألم والمتاعب التي لا تنتهي.

يؤمل أن تبعثَ قصّةُ (والاس) وقصص الآلاف من ضحايا ديكتاتوريّة «سلطة القانون» على رغبةٍ جدية في مساءلة الذات ومساجلة المقولات السياسية التي تحرصُ النُّخب الثّقافيّة في منطقتنا العربيّة على ترديدها كالحقائق، متّكئةً على قيمِ الغربِ المتفوّق والمثال، في زمن الثّورات الشّعبيّة العارمة التي أطاحت بمفاهيم ومقولات من قبيل «حكم القانون» و«دولة المؤسّسات»… وكأن هذه الملايين من المسحوقينَ في كل مكان لم تثر من أجل تغيير جذريّ وملموس في واقعها المتردي، ولا من أجل الخبز والكرامة، ولا من أجل حقوق أكثر مادّيّةً وأقلَّ تخمةً بالشّعارات والأفكار الفارغة، كأنّ الجماهير التي تسكب دمها كل صباح بكرمِ من لا شيء ليخسره، ثارت من أجل «دولة المؤسّسات»، لا من أجل إنهاء الظّلم، ومن أجل «الدولة المدنيّة»، التي ستمكن النُخَب من تشديدِ هيمنتها وجعلِ أساليبِ قمعها أكثرَ حداثةً وتعقيدًا، لا من أجل تحطيم أنياب الدّولة الضّالعةِ في الرّقاب مرّةً وإلى الأبد.

الحرية لجهاد ولمعذبي الأرض في سوريا

في ١٠ آب ٢٠١٣، ‬اعتقلت قوات الأمن السورية الصحفي والماركسي المعارض جهاد أسعد محمد بالقرب من شارع الثورة في وسط دمشق. وقد أكدت شقيقته، الماركسيّة هي الأخرى والمرغمة على التّواري بسبب معارضتها للنظام، خبر اعتقاله. يعتبر جهاد واحدا من الناشطين القلائل الذين بقوا في العاصمة السورية التي أضحت بمثابة فقاعة هادئة بشكل مخادع ورازحة تحت قبضة النظام الحديدية الخانقة. وقد صمد جهاد في دمشق على الرغم من خطر الاعتقال المحدق به. بعد مرور وقت قصير على اعتقاله، أُنشئت صفحة على الفايسبوك للمطالبة بالإفراج الفوري عن جهاد، كما أعادت نشر مقالات له كان قد كتبها خلال وقبل الثورة السّوريّة.

1381385_411283262305287_1900779099_n

وفقا لتقديرات إحصائية متحفظة، يقبع عشرات الآلاف من المدنيين السوريين في مراكز اعتقال لا تعد ولا تحصى في مختلف أنحاء سوريا. والغالبية العظمى منهم ليسوا من الناشطين المعروفين البارعين في شؤون التكنولوجيا أو الكتابة وليس لهم، باستثناء عائلاتهم، من يدعو للإفراج عنهم أو من سيذرف دمعة في حال قُتلوا داخل السجن. وهؤلاء -أبطال وبطلات الثورة المجهولون، الرجال والنساء المنسيون أبناء أحزمة الفقر والعشوائيّات والريف المهمَّش، ومعذبو الأرض السّوريّة- هؤلاء هم بالضبط الأشخاص الذين ركز عليهم جهاد في كتاباته.

فنجد له على سبيل المثال مقالا عن مسعود، “ميسي قلب هجوم الثورة السورية”، التلميذ ابن ال١٧ ربيعا من إحدى أكثر ضواحي دمشق فقراً. مسعود كان هداف نادي كرة القدم في الحي الذي يعيش فيه. خلال مشاركته في التظاهرات كان يرتدي قميص ميسي في نادي برشلونة. مستفيدا من سرعته وحجمه الصغير تماما كميسي، رفع علم الثورة ولافتات الحرية على أسطح المنازل، وبخّ على الجدران شعارات معادية للنظام، وراوغ باستمرار قوات الأمن. اعتُقل مسعود من غرفة صفه وسُجن لمدة شهرين، تعرض خلالهما لتعذيب. بعد إطلاق سراحه، انضم إلى الجيش السوري الحر.

جهاد كتب لنا أيضا عن أم هيثم، باعتبارها واحدة من آلاف النساء السوريات اللواتي يسرْنَ بلا كلل إلى السجون والفروع الأمنية للبحث عن مكان وجود أبنائهن وإخوتهن وأزواجهن وأحبابهن المحتجزين والمختفين قسرا. كن ينتقلن يوميا تحت القصف وعلى الرغم من حواجز التفتيش، تحت الشمس الحارقة والأمطار الغزيرة، متحملات ملاحظات رجال الشرطة والجنود المهينة. ولا يزلْنَ صامدات، يدفعهن الإيمان.

ويحكي لنا جهاد عن النساء الثوريات في مجتمع محافظ وبطريركي. وعلى الرغم من دورهن المحوري في الثورة، كان ينظر إليهن باشمئزاز من ما يسمى بـ”نسويات” و”اليسار” البرجوازي الذي يدعو إلى الدفاع عن حقوق المرأة في حين يعجز عن رؤية أبعد من حجاب المرأة ومظهرها الخارجي.

كما أخبرنا عن عدنان، الضابط العلوي من جبال اللاذقية والذي خدم في جيش الأسد ولكنه أيد الثورة بحماس. لم يكن قادرا على الانشقاق وفي نهاية المطاف قتل خلال معركة، الأمر الذي دفع والدته المفجوعة إلى الهمهمة بعجز: “أولادهم للقصور.. وأولادنا للقبور”.

بالإضافة إلى ذلك، وضّح جهاد الجذور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لاندلاع الثورة السورية وتطورها إلى صراع مدني مسلح غير متكافىء، وبأناقة ناقش التركيبة السكانية الطائفية وشره النيو ليبرالية التي ميزت نظام الأسد الذي يزعم أنه اشتراكي وعلماني.

وكانت القضايا المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والصراع الطبقي ونقد البرجوازية المدنية من النقاط المحورية في مقالات جهاد، إلى جانب قضايا الحريات المدنية والسياسية والنضال ضد الاستبداد.

ولد جهاد عام ١٩٦٨ لعائلة يسارية في ريف دمشق، وجهاد هو الأخ الأكبر بين تسعة إخوة وأخوات. بين عامي ٢٠٠٣ و٢٠٠٤، بثّت إذاعة صوت الشعب أساطير شعبية من تأليف وإعداد جهاد. نقطة التحول الأولى في مسيرة جهاد المهنية كانت عام ٢٠٠٦ عندما أصبح سكرتير تحرير جريدة قاسيون التي أطلقتها اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، المنشقة عن الحزب الشيوعي السوري. ولكن جهاد لم يكن مجرّد محرّر فحسب، فقد شجع الكتاب السوريين الشباب على المساهمة في الصحيفة وجاهد للحفاظ على استمرارية الجريدة لمدة خمس سنوات. كتب جهاد مجموعة كبيرة من الأعمدة تضمنت عدة مواضيع من الفنون والثقافة مرورا بفساد الدولة، وصولا إلى الرأسمالية والإمبريالية. صوته الناقد للحكومة جعل منه هدفا للاضطهاد من الدولة الأمنية قبل شهر آذار ٢٠١١، شهر بدء الثورة في سوريا.

بالنسبة له، الثورة السورية، كشفت العديد من الحقائق. أكبرها، كما كتب جهاد، هي أن الزمن الذي كانت فيه سلطة القهر للنخبة السياسية الفاسدة والجوفاء تهيمن على الخاضعين لها قد ولى.. ولم يعد هنالك ما يخسره سوى القيود التي تكبله وتعيق تحرره. علاوة على ذلك، يضيف: أن الرئيس الذي يقتل شعبه ويحرق وطنه، ومدنه، والقلاع التاريخية والتراثية لا يحق له الادعاء أنه يدعم نضالات الشعوب الأخرى من أجل الحرية.

الحقيقة الثانية التي كشفتها الثورة السورية هي أنه في وقت بدأ الناس بتحرير أنفسهم، النخبة المهيمنة على اليسار في سوريا تقوقعت داخل أغلالها. واتخذت جريدة قاسيون “الشيوعية” موقفا معاديا تجاه الثورة- وبقي عامود جهاد المساحة الوحيدة في الصحيفة التي وقفت بالفعل إلى جانب مطالب الشعب، حدث ذلك إلى أن خرج منها وبات يكتب بشكل مستقل بعد مرور بضعة أشهر على اندلاع الثورة. وكانت مقالات جهاد قد ازدادت راديكالية وثورية مع تطور الثورة. على الرغم من بعض مقالاته التي يمكن أن تتّسم بالشعبوية والمغالاة في التفاؤل أحيانا، لكنه احتفظ دائما بمسافة لتحليل ناقد منطقي وعقلاني، كما أنه لم يلق عظات أو يدع تقدما معرفيا على الجماهير الثائرة.

رفيق جهاد السابق قدري جميل، المشارك في تأسيس جريدة قاسيون وفي تأسيس اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، مضى قدما في “طريقه” حيث أصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية. العديد من رفاق جميل من الشيوعيين السوريين، الذين أمضوا عقودا من الزمن في التنظير على البروليتاريا في سوريا عن الثورة والتحرر، اليوم ينظرون إلى الأسفل بقرف ونفور من “الرعاع” المسببين للفوضى والشغب. في واحد من نصوصه الأكثر رمزية وبلاغة، والذي نُشِر في الذكرى السنوية لانطلاق الثورة من مدينة درعا، استخدم جهاد الحذاء كاستعارة لوصف هؤلاء “الثوار” القدماء: وجد رجل برجوازي نفسه “متعاطفا بشدة مع الفقراء والبسطاء فأطلق على نفسه لقب “الرجل الثوري” وراح يبحث عن طريقة للنضال من أجل أن يحصل المظلومون والمعدمون على حقوقهم كافة”. بدأ بوعظ القرويين والفلاحين والمزارعين الذين لا يفهمون شيئا من شعاراته الكبيرة، مستعملا لغة معقدة وفارغة من المعنى. زاره الناس بدافع الشفقة فقط عندما تعرض للضرب على يد الشرطة والمرابعين وزعماء القرى. كان منبوذا، وجائعا، وعاريا، وخائب الأمل من خطبه العاطفية التي فشلت في “إلهام الجماهير”، فباع ذلك الرجل الذي ادعى أنه ثوري نفسه إلى أثرياء جدد من القرية الذين سعوا إلى إبقائه تحت إبطهم. الرجل الثوري سرعان ما بدأ في حضور موائدهم العامرة فأهدوه حذاءً جميلاً. مع مرور بضعة سنوات، تلاشى “الرجل الثوري” إلى أن أصبح مجرد حذاء مهمته الوحيدة الذهاب إلى الموائد وبات يرتديه أولئك الذين أهدوه إياه بكل سخاء. الاستعارة التي يستخدمها جهاد في هذه المقالة تشير إلى حالة العديد من الذين نصبوا أنفسهم ثوارا ليس فقط في سوريا بل في الشرق الأوسط وجميع أنحاء العالم.

في مقالة حادة أخرى، خاطب جهاد محمد الفنانين والمثقفين الذين اعتقدوا أنهم يستحقون معاملة المشاهير داخل الحركة الثورية. ففي شهر نيسان من العام ٢٠١١، عندما انتشرت المظاهرات الجماهيرية في دوما، الضاحية العمالية لمدينة دمشق، الواقعة في الغوطة الشرقية، أمل بعض الفنانين والمثقفين والممثلين حجز لأنفسهم مكانا مريحا في الثورة وتنصيب أنفسهم أوصياء ومتحدثين باسمها. فاشتركوا في الثورة باعتبارها فرصة لتعزيز غرورهم، فاعتبروا أهل دوما لا قيمة لهم، مجرد غوغاء جهلة ينبغي تعليمهم. وخلافا لتوقعاتهم، لم ينظر إليهم أهل دوما بذهول. ولم يرغبوا بأن تملي عليهم قوة أخرى أو تحاضر بهم حول ما يجب فعله. تخلى الفنانون عن الثورة عندما توقفت عن أن تكون “رائعة” و”مثيرة”، وعندما لم تعد ترقى إلى مستوى المعايير السامية لأبراجهم العاجية. رسالة جهاد إلى هؤلاء توجز بدقة الثورة السورية:

“هذه الانتفاضة أيها العبيد المتمرسون في العبودية، ليست بحاجة لكم كـ”معلمين” و”أساتذة” و”منظرين”…، بل أنتم بحاجة إليها كجهلة وأميين بحاجة إلى التعلم والتحرر من الذل والغباء، وعليكم إذا ما أردتم أن تكونوا أعضاء أصلاء في صفوفها أن تُحضروا معكم أقلامكم الخشبية وكراريسكم لتعلمكم شوارعها وساحاتها العامة بعض الدروس البسيطة بفن العطاء، وفن الحياة، وفن الحرية..”

بعد أن أبدع جهاد في مقالاته وشارك في الثورة على الأرض، ليس مستغربا أن يعتقل مؤخرا. وقد يُصدَم البعض أنه بعد مرور عامين ونصف العام على ما أصبح جمودا عسكريا طاحنا، لا يزال النظام يعتقل النظام الناشطين والكتاب العزل. بالتأكيد ليست كل تصرفات النظام عقلانية، ولكنها محاولة منهجية متعمدة لاعتقال أو قتل أصحاب الأقلام الحرة والأصوات العالية، إنه تكتيك مخطط له سيعتمده النظام حتى النهاية.

بدور حسن
ترجمة الصديق وليد ضوّ