مفاجآت بطولة أستراليا المفتوحة

في موقع حبر

تتميّز بطولة أستراليا المفتوحة لكرة المضرب عن نظيراتها من البطولات الأربع الكبرى بوفرة المفاجآت والنتائج غير المتوقّعة التي تفرزها.

من منّا ينسى تأهل القبرصي ماركوس باغداتيس إلى الدور النهائي في العام 2006 أو وصول الفرنسي جو تسونغا (بابتسامة عريضة وكاريزما ذكّرتنا بمحمد علي كلاي) إلى نهائي العام 2008 بعد انتصار ساحق على نادال في الدور نصف النهائي أو وصول السلوفاكية دومينيكا سيبولكوفا إلى الدور نفسه قبل عامين؟

تنبع كثرة المفاجآت بشكل أساسي من كون منافسات بطولة أستراليا تجري في بداية الموسم حيث يحاول معظم اللاعبين البارزين نفض الغبار عن مضاربهم بعد حوالي شهرين من استراحة نهاية العام وهي أطول إجازة يحظى بها اللاعبون المحترفون.

australia-tennis

Continue reading “مفاجآت بطولة أستراليا المفتوحة”

!إنه الشغف

نُشر في موقع ألتراصوت

208

بعد كل هزيمة مؤلمة يتعرّض لها اللاعب أو الفريق الرياضي الذي نشجع، يخالجنا ذلك السؤال الوجودي: لماذا نسمح لأنفسنا بالتعلق بالرياضة إلى هذا الحد؟ لماذا نبكي بحرقة حين يخسر اللاعب الذي نحب في مباراة حاسمة؟ ألا تكفينا جميع مشاغلنا اليومية وهمومنا الشخصية ومآسينا الكبرى كي نضيف إليها هاجسًا آخر؟ ما الذي نجنيه من التسمّر لساعات خلف الشاشات كي نتابع مباراة كرة قدم أو كرة مضرب أو سباقات سيّارات لا تجمعنا بالمتنافسين أي علاقة سوى أننا منغمسون في تشجيعهم؟ أليس من الأجدى لنا أن نشاهد الرياضة لغرض المتعة فحسب وأن نتابعها بحياديّة وموضوعية دون أن نتورّط عاطفيًّا في تشجيع لاعب أو فريق ما؟ Continue reading “!إنه الشغف”

هل مات ملك الملاعب الترابية حقًّا؟

Nadal

نُشر في موقع حِبر

«مات الملك.. عاش الملك». يبدو هذا التعليق محقًّا بعد مشاهدة اللاعب الصربي نوفاك دجوكوفيتش يُلحق هزيمة قاسية بخصمه الإسباني رافايل نادال، في الدور ربع النهائي من بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب.

ما حدث في 3 حزيران/يونيو 2015 ليس أمرًا اعتياديًّا فقد أحدث ما يشبه الزلزال في أوساط المهتمّين بكرة المضرب. سيعتبره الكثيرون نهاية عهد وبداية آخر، وستتصدّر أخباره جميع صفحات المواقع الالكترونية والصحف وشبكات التواصل الاجتماعي التي تغطّي مستجدات «الكرة الصفراء».

سقط نادال، ملك الملاعب الترابية!

بعد تحقيقه تسعة ألقابٍ على ملاعب «رولان غاروس» الترابية في العقد الأخير، وفوزه بسبعين مباراة لم تقابلها إلا هزيمة يتيمة وبتسع وثلاثين مباراة على التوالي منذ العام 2010، خرج نادال من ملعب «فيليب شاترييه» الذي يعشقه جريحًا ومهزومًا.

رافقت إشارات الاستفهام النجم الإسباني الحائز على أربعة عشر لقبًا في البطولات الكبرى «الغراند سلام» منذ بداية هذا العام، ولم تكن الأجوبة التي قدمها مقنعة أو مشجعة. بعد الموسم الماضي الذي لاحق فيه شبح الإصابة والمرض نادال مما أجبره على الغياب عن الملاعب خلال معظم النصف الثاني من الموسم، حاول ابن مدينة مايوركا العودة إلى مستواه المعهود مجددًا. تميّزت مسيرة نادال المدهشة بقدرته على العودة السريعة بعد الإصابات الصعبة التي تعرّض لها ولكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها. أعوامه التسعة والعشرون، وهو عمر يعتبر متقدمًا في تقويم كرة المضرب خاصة بالنسبة للاعب كنادال يعتمد بشدة على لياقته البدنية وسرعته، ألقت الأعوام بظلالها عليه وساهمت في جعل العودة والتعافي أصعب من أي وقت آخر.

ومع إخفاقه باستعادة مستواه الفذ فقد نادال ثقته بنفسه وقدرته على الفوز بالنقاط الحاسمة والمهمة خلال المباريات، وبموازاة ذلك لم يتراجع تصنيفه فحسب بل وأخذت «الهالة» التي أحاطت به على الملاعب الترابية بالتلاشي. كانت هذه أول سنة، منذ العام 2004، يعجز نادال فيها عن الفوز بأي من البطولات الأوربية التي تقام على الملاعب الترابية وتسبق بطولة فرنسا المفتوحة، ثاني البطولات الكبرى هذا العام. كما كانت أول مرة يبدو فيها اللاعب المعروف بروحه القتالية وصلابته الذهنية هشًّا وعديم الحيلة أمام لاعبين اعتاد هزيمتهم بسهولة في أعوامٍ خلت. ولكن كل هذا لم يكن كافيًا للاستنتاج بأن نادال سيُهزم في ذلك الجزء من العاصمة الفرنسية الذي حكمه بشكل شبه مطلق منذ العام 2005.

تمخّضت القرعة عن مواجهة مرتقبة بين نادال ودجوكوفيتش في ربع النهائي فيما لو تمكن اللاعبان من الفوز بمبارياتهما الأربع الأولى، وهذا ما حصل. بدا نادال بمستوى أفضل خلال تلك المباريات وأبدى ومضاتٍ من عبقريته التي جعلته أحد أعظم اللاعبين في تاريخ التنس، ولكن متابعته في المباريات ذاتها كانت كفيلة بملاحظة أنه ليس بأفضل أحواله حتى الآن. ليس نادال الذي نعرفه، ضرباته الأمامية القوية تفتقد بريقها المعهود والأخطاء المباشرة التي يرتكبها تبدو وكأنها لا تمت لنادال المتألق بصلة.

Serbia's Novak Djokovic clenches his fist after scoring a point in the quarterfinal match of the French Open tennis tournament against Spain's Rafael Nadal at the Roland Garros stadium, in Paris, France, Wednesday, June 3, 2015. (AP Photo/Christophe Ena)

الاختبار الحقيقي سيكون أمام نوفاك دجوكوفيتش، المصنف الأول عالميًّا والفائز ببطولة أستراليا المفتوحة، أولى البطولات الكبرى، في بداية هذا العام، بالإضافة إلى فوزه بست وعشرين مباراة على التوالي قبل مواجهته التاريخية مع نادال. ليس دجوكوفيتش أفضل لاعب كرة مضرب في العالم فقط ولكنه سيطر بشكل كامل على جميع البطولات المهمة التي خاضها هذا العام، تاركًا جميع منافسيه يلهثون خلفه وهو يتوَّج بخمسة ألقاب. أحرز دجوكوفيتش ثمانية ألقاب في البطولات الكبرى خلال مسيرته الاحترافية، أما البطولة الوحيدة التي يخلو منه درجه المعبّأ بالكؤوس فهي بطولة فرنسا المفتوحة. والعائق الأكبر الذي حال دون نيله اللقب المنشود في الأعوام السابقة كان نادال، فقد هزمه في مبارياتهما الست في رولان غاروس، وآخرها كان في نهائي السنة الماضية. ليس دجوكوفيتش هو أول المبتلين بـ «لعنة نادال» في بطولة فرنسا المفتوحة. عانى الكثيرون من هذه اللعنة طويلًا، أبرزهم السويسري روجر فيدرر الذي خسر أمام نادال خمس مرّات في رولان غاروس وحرمه الإسباني العنيد من الفوز بالبطولة الوحيدة التي كانت تنقصه حتى العام 2009. ابتسمت آلهة التنس لفيدرر أخيرًا هذا العام بعد أن أقصى السويدي روبين سودرلنغ نادال في الدور الرابع ممهّدًا الطريق أمام فيدرر لتحقيق اللقب الذي طالما حلم به.

بيد أن دجوكوفيتش كان يعرف جيّدًا أن الطريق نحو اللقب هذا العام لا بد أن تمر عبر رافا: لم تكن مباراة نهائي كما ينبغي لها أن تكون، بل مباراة ربع نهائي، ولكن الشعور هو أن المنتصر بمبارزة الوزن الثقيل هذه سيتخطى العثرتين المتبقيّتين في طريقه وسيفوز باللقب. توقّعها البعض معركة شاقّة كالعديد من المباريات التي جمعت الإثنين، إلا أن دجوكوفيتش حسمها لصالحه بواقع ثلاث مجموعات دون مقابل: سبعة أشواطٍ لخمسة وستة أشواط لثلاثة وستة أشواطٍ لواحد.

بعد مجموعتين متقاربتين قاتل فيهما نادال بضراوة، ظهر تدنّي مستواه وتفوّق دجوكوفيتش الواضح، تمكن الأخير من الفوز بالمجموعة الأخيرة وبالمباراة بسهولة. حاول الجمهور دفع نادال وتشجيعه خلال المباراة، مصفّقين بحرارة عقب كل نقطة يفوز بها، ومطلقين صرخة جماعية بعد فوزه بشوطه الوحيد خلال المجموعة الثالثة. لم يعهد نادال هذا التشجيع العارم في باريس من قبل، فعلاقته بالجمهور الباريسي لم تكن حارّة في بداية مسيرته، هذا لأنه تفنّن بقهر فتاهم المدلل فيدرر علاوة على رغبتهم بكسر هيمنة نادال. لكن الأمر اختلف هذا العام، إذ أن هشاشة نادال غير الاعتيادية وتفوّق دجوكوفيتش عليه حدا بالجمهور للتعاطف معه أكثر.

غير أن دعمهم لم يكن كافيًا لأن دجوكوفيتش كان اللاعب الأفضل ونادال كان بعيدًا كل البعد عن مستواه الحقيقي.

لم تنته البطولة بعد فعلى دجوكوفيتش أن يهزم الاسكتلندي آندي ماري يوم الجمعة المقبل، ومن ثم التغلب على الفائز في مواجهة نصف النهائي الآخر بين الفرنسي جو ولفريد تسونغا والسويسري ستان فافرينكا. من المتوقع أن يفعل الصربي ذلك وأن يكمل المهمة بعد تخطّي الحاجز الأصعب بنجاح، ولكن مع أهمية الإنجاز الذي حققه من الصعب ألا نتوقف قليلًا عند الخاسر نادال.

حين يُمنى الأبطال بهزيمة قاسية أو مصيرية، نسارع باستخلاص النتائج الجاهزة: ذاكرة الرياضة قصيرة وغير منصفة، لا ترحم العظماء حين يسقطون وتكتفي بتحليل المباراة الأخيرة ونسيان كل ما حققه الرياضي أو الرياضية من انتصارات سابقة. ولكن الهزائم القاسية أيضًا تمكننا من وضع الأمور في سياقها وإيفاء الإنجازات التي كانت تبدو بديهية حقها.

ما فعله نادال على الملاعب الترابية وفي رولان غاروس تحديدًا خلال العقد الأخير لم يكن بديهيًا وليس مفهومًا ضمنًا. لعل انتصاراته المتكررة والسهلة في معظم الأحيان وهيمنته شبه المطلقة جعلت ما يقوم به يبدو عاديًّا، لكن الحقيقة مختلفة. لم يهيمن أي لاعب أو لاعبة كرة مضرب في العصر الاحترافي للعبة على أي بطولة بالطريقة التي هيمن فيها نادال على بطولة فرنسا المفتوحة. ويُحسب لنادال أن هذه الهيمنة لم تكن لأن المنافسين ضعيفون بل لأنه ببساطة كان أفضل منهم جميعًا. تسهل الاستهانة بنادال الآن والتأكيد بأن نجمه قد أفل، ولكن الإسباني لم يقل كلمته الأخيرة بعد والأبطال الحقيقيّون كنادال قادرون على تحويل الخيبة إلى فرصة جديدة. وآخر ما قاله في المؤتمر الصحفي الذي تلا هزيمته، بعد إبدائه روحًا رياضية عالية ورقيًّا يتسم به في الفوز وفي الهزيمة: «لا أدري إذا ما كنت سأفوز مجددًّا ولكن الأمر الوحيد المضمون هو أنني سأعمل بجدٍّ أكبر كي أعود في العام القادم».

صحيح أن «ملك فرنسا» جُرِّد في يوم ميلاده التاسع والعشرين من تاجه وأُسقط عن عرشه، ومؤكدٌ أن أحدًا آخر سيرفع كأس الفرسان الثلاثة هذا العام، إلا أن الملك لم يمت بعد. لا يزال قلبه ينبض بشغفٍ بالمنافسة والفوز،، ولا تزال يده اليسرى قادرةً على إعادته للقمّة.

إدواردو غاليانو.. نبيّ اصطفاه الشيطان

نُشر في الجمهورية

إدواردو غاليانو (Photo by Renata Laszczak).
إدواردو غاليانو (Photo by Renata Laszczak).

الألم يُحكى بصمت.
ولكنني أتساءل: ماذا سيحل بمدينتنا في غيابه؟
ما الذي سيكون من مونتيفيديو بعد رحيله؟
وأتساءل أيضاً: ماذا سيحل بنا بدون طيبته التي تعجز الكلمات عن وصفها. 

هكذا رثى إدواردو غاليانو مواطِنه وأستاذه ورفيقَه الشاعر الأوروغواياني ماريو بينيديتي 1 ، بعد وفاته في 17 أيار 2009. لا ينبغي أن يكون اقتضاب غاليانو وإيثاره الصمت على المغالاة بالكلام مفاجئاً، فهو التزم بمحاربة «تضخّم الكلمات»، مؤكّداً أن النصوص الوحيدة التي تستحقّ أن تبقى، هي تلك التي تكون أفضل من الصمت. والصمت هو أكثر اللغات فصاحةً، ما يجعل المنافسة معه صعبةً جدّاً.

ستة أعوام مرّت على رحيل بينيديتي، وهاهي عاصمة الأوروغواي مونتيفيديو، المدينة الصغيرة التي منحتنا من المثقفين والأدباء والموسيقيين والرياضيّين المتفوّقين، ما عجزت عنه مدن أكبر وأثرى منها بكثير، هاهي ذي تودّع أسطورة أخرى من أساطيرها، ابنها المتمرّد إدواردو غاليانو. توفي غاليانو في فجر الإثنين الماضي عن عمرٍ ناهز 74 عاماً، بعد معركة مضنية مع سرطان الرئة، تمكّن كاتبنا خلالها من هزيمته مرّة، ومن مراوغته مراراً حين عاوده، إلا أن جسده لم يصمد لأكثر من ثلاثة أيام بعد نقله إلى المشفى في العاشر من نيسان.

ومع أن خير وسيلة للتعبير عن الألم هي الصمت، نتساءل، كما تساءل غاليانو بعد رحيل بينيديتي: ماذا سيحل بهذه المدينة في غيابه؟ وماذا سيحل بنا بدون انتظار كتابه القادم؟

قراءة كتبِ غاليانو تشبه الإصغاء إلى راوٍ مخضرمٍ ومحبوب يقصّ حكاياه في مقهى شعبيّ، إلا أن مقهى غاليانو يختلف عن المقاهي الشعبية السائدة، بكونه متاحاً للجميع وغير خاضع للأعراف والتقاليد. وغاليانو ليس راوياً اعتياديّاً أيضاً، فأسلوبه بالسرد متحرّرٌ من الوصاية والإملاء وسلطويّة الكتّاب الذين يعتقدون أن الله انتقاهم كي يعلّموا الجماهير. «بعض الكتّاب يخالون أن الله اصطفاهم ولكنني لست كذلك، فمن اختارني هو الشيطان، هذا واضح!». هذا ما يقوله غاليانو، الذي لطالما رفض أن يعتبر معلّماً، فهو «لا يدرّس أحداً، بل يحكي القصص المنسيّة التي تستحقّ أن تُروى». وأبطال حكاياته هم أشخاصٌ مهمّشون وغير مرئيّين، ألقى بهم التاريخ الرسمي على قارعته، إلا أنهم ليسوا أشخاصاً بلا صوت. هنا، يختلف غاليانو مع معظم رواد حركة لاهوت التحرير. فهو لا يسعى لأن يكون «صوت من لا صوت لهم»، ليس فقط لأن كل إنسان له صوته الخاص والمتفرّد الذي لا يمكن أن يستعيره من أحد. بل كذلك، وبحسب غاليانو، لأن جميع الناس لديهم أصواتهم الخاصة، لكنها قد تكون محجوبة وغير مسموعة، بفعل القهر والاضطهاد الذي يتعرّضون له. «كل إنسان يملك قصّةً تستحقّ أن تُسمَع وأن يُحتفى بها، أو على الأقل أن يُصفح عنها».

وهذا كان اليقين الذي دفع غاليانو لتأليف كتابيه الأخيرين، مرايا: قصص تكاد تكون عن الجميع، الصادر في نسخته الإسبانية في العام 2008، وكتابه أبناء الزمن: تقويم للتاريخ البشري الصادر في العام 2013. استوحى غاليانو عنوان كتابه الأخير من مقولة ردّدها أبناء شعب المايا في غواتيمالا: «نحن أبناء وبنات الزمن». كلّ يومٍ من أيام السنة له قصته بل قصصه، وانتقاء القصص لم يكن سهلاً، والقصص الوحيدة التي بقيت لتُنشر كانت تلك التي اعتبرها غاليانو أبلغ من الصمت، وتميزت بطرح سرديّة مختلفة عن تلك التي تهيمن على التاريخ الرسمي المكتوب، والتي يتم تلقيننا إياها كما لو كانت حقيقة مطلقة لا لبس فيها. أما «مرايا» فقد كان حين نشره أهم مشروعٍ يطلقه غاليانو منذ ثلاثيّته ذاكرة النار، الصادرة بين الأعوام 1982-1986، والتي كتب معظمها في منفاه في إسبانيا. وتعتبر الثلاثية، رغم مرورِ ثلاثة عقودٍ على نشر آخر أجزائها، من أهم المؤلّفات والوثائق الأدبية التي تميط اللثام عن جرائم الإبادة والتهجير والاستغلال والإفقار، التي ارتكبها الاستعمار الأوروبي، ومن ثم قادة الولايات المتّحدة، في الأميركيتين. وتغطّي الثلاثية الفترة الزمنية ما قبل الاستعمار الأوروبي في العام 1492، وحتى ثمانينيات القرن الماضي. «مرايا»، في المقابل، ليس بضخامة الثلاثية، ولكن حاله حال «أبناء الزمن»، فإنه لا يقتصر على الأميركيتين أو على حقبة زمنية معينة، بل يجمع فيه غاليانو صوراً وحكايا ومفارقاتٍ وقصاصاتٍ من جميع أنحاء العالم. والتزام غاليانو النسويّ جليٌّ في كليهما، فعدد كبير من «أبطال» قصصه هنّ نساء، إضافة إلى الرؤيا النسوية العامة التي توجّه كتابة غاليانو، وتشكّل مفهوماً قيمياً ملازماً لأفكاره الاشتراكية والمناهضة للعنصرية والرافضة للعسكرة والحروب.

يغوص غاليانو عميقاً في تاريخ الشعوب التي سحقها المستعمرون والاثرياء، وشيّدوا سلطتهم وسطوتهم على أنقاض حضاراتها وأشلاء أبنائها. ينقّب عن شظايا قصصهم الفردية والجمعية المتناثرة، ويجمعها ليشكّل منها صورة مختلفة عن التاريخ الذي نتعلّمه في المدارس. ويبدي خلال عملية البحث هذه، التي عايش فيها الفلاحين والسكان الأصليين، والجنود والفنانين والمتمرّدين، وحاور فيها القادة والرؤساء والمناضلين والخارجين عن القانون، يبدي عيناً ثاقبة وحرصاً شديداً وحساسية عالية تجاه أدق التفاصيل، التي قد يغفلها كتاب آخرون. هذا الحرص على التفاصيل الصغيرة، والحقائق المغفلة، والأحداث الجافة، ونسجها لإعادة كتابة التاريخ على ألسنة صنّاعه الحقيقيين، المنسيّين، ميّز إنتاج غاليانو الغزير.

في مقدّمتها لكتابه عروق أميركا اللاتينية المفتوحة، أشهر كتب إدواردو غاليانو وأكثرها مبيعاً، تكتب الروائية التشيلية إيزابيل أيّيندي، أن من أكثر ما يثير الإعجاب في كتابات غاليانو هو عثوره على الكنوز المخبّأة، ونجاحه في إعادة الألق إلى أحداث تاريخية متهتّكة، وإذكاؤه الحماس في أرواح قرّائه من خلال شغفه الشديد.

وينسب غاليانو هذا الشغف الذي يتّسم به أسلوبه إلى كونه لم يتابع تعليمه الرسمي، حيث اضطر إلى ترك مدرسته والخروج إلى العمل في الـ 14 من عمره. أما أسلوبه في سرد القصص، فقد اكتسبه بداية من زوار المقاهي في مدينة مونتيفيديو الذين استمد منهم الشغف والخيال. ولكن في تلك الأيام لم يكن طموح غاليانو أن يصبح كاتباً على الإطلاق، إذ كان يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم، وقد أشار إلى ذلك في أحد حواراته:

«كنت أفضل لاعب كرة قدم في العالم، كنت اللاعب الأول بدون منازع، أفضل من بيليه ومن مارادونا، وحتى أفضل من ميسّي. لكن هذا كان في الليل فقط، في أحلامي، وما إن أستيقظ حتى أتذكر أن لي ساقين خشبيتين لا تصلحان لكرة القدم، ولعله من الأفضل لي أن أكسب قوت يومي من خلال الكتابة».

على الرغم من عمله كرسام كاريكاتير وصحفي سياسي وكاتب، لم يتخلَّ غاليانو عن شغفه بكرة القدم وعشقه لها، وإن كانت ساقاه «الخشبيتان» لم تمكّناه من أن يصبح لاعب كرة قدم، فقد نجح قلمه بوضع ملاعب العالم بين دفّتي كتاب.

الكتابة الرياضية ليست لوناً أدبيّاً نادراً، وهنالك مئات الكتب والمقالات الجيدة، التي تشرّح العلاقة بين كرة القدم والسياسة، وتحلل تأثير المال على الرياضة، وتعيد قراءة أحداث رياضية معينة ضمن سياقها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتاريخي. ولكن كتاب غاليانو كرة القدم في الشمس والظل، الذي يوضّح توأمة الرياضة والسياسة، ويوثّق التاريخ الاجتماعي للعبة كرة القدم، يبقى عملاً نادراً لم يُنشر ما يشبهه في مجال الكتابة الرياضية.

في الطبعة المعدّلة التي صدرت في العام 2003، يمنحنا غاليانو إطلالة على تاريخ كرة القدم منذ أيام الفراعنة، حيث كانت الكرة تُصنع من القش وتغطّى بقماش ملوّن، وحتى كأس العالم في كوريا الجنوبية واليابان في العام 2002، حيث صار أطفال باكستان يحيكون كرة أديداس ذات التقنية المتطورة.

لا يخجل غاليانو من التعبير عن عشقه الشديد لكرة القدم، ولا يتردّد في إغداق العبارات الشعرية، التي تصل حد التصوّف تارةً، والشبق الإيروتيكي تارةً أخرى.

 فنجده يكتب، مثلاً:

«لحسن الحظ، ما زال بإمكاننا أن نرى على أرض الملعب، حتى وإن اقتصر ذلك على مناسباتٍ قليلة فقط، لاعباً وغداً وقحاً، يخرج عن النص، ويرتكب فاحشة المراوغة ليتخطّى جميع مدافعي الخصم، الحكم، والجمهور في المدرجات، وكل ذلك بغرض تحقيق الفرحة الشهوانية، التي تمنحها المتعة المحظورة بمعانقة الحرية!».

وفي مقدّمة الكتاب يعترف غاليانو بالتالي: «أخيراً وبعد مرور سنواتٍ عديدة، تعلّمت تقبّل نفسي على حقيقتها: أنا متسوّلٌ يبحث عن اللعب الجميل، أجول العالم مادّاً يديّ متوسّلاً في الملاعب: أستحلفكم بالله، هاتوا هجمة جميلة واحدة! وعندما أشاهد كرة قدم جيّدة، أعبّر عن امتناني للمعجزة، دون أي اكتراثٍ بهوية الفريق أو المنتخب الذي صنعها».

وبينما يعرّي غاليانو أمامنا ضعفه تجاه كرة القدم الجميلة، ويؤكّد على انحيازه للعب الجميل أيّاً كان مصدره، لا يتوانى عن كشف الجوانب المظلمة التي حوّلت كرة القدم من بارقة أمل إلى أداة قمعٍ واستغلال، وهذه الظلال، التي يبسطها قادة الاتحاد الدولي لكرة القدم، الفيفا، من قلاعهم في زيوريخ، تحجب عنا شمس الكرة ونورها.

عاد غاليانو ليؤكّد مناهضته سياسات الفيفا في تجريدها كرة القدم من جماليّتها وروحها، في بيان أصدره قبيل بطولة كأس العالم في العام الماضي، أعرب فيه عن دعمه للمظاهرات التي اجتاحت البرازيل آنذاك: «تفجّر الغضب في البرازيل مبرَّر ويشبه في تعطّشه للعدالة، المظاهرات التي هزّت دولاً كثيرة في أنحاء مختلفة من العالم مؤخّراً. قرر البرازيليون، وهم أكثر الشعوب تولّعاً بكرة القدم، ألا يسمحوا مجدداً باستخدام رياضتهم ذريعةً لإذلال الكثيرين، وإثراء قلّة قليلة. احتفال كرة القدم، وهو عيدٌ للأرجل التي تلعب، وللعيون التي تشاهد، هذا الاحتفال هو أكثر بكثير من مجرد مشروعٍ اقتصادي كبير، يديره سادة منصَّبون في سويسرا. فالرياضة الأكثر شعبيّةً في العالم تسعى لكي تخدم الناس الذين يحتضنونها، وهذه هي النار التي لا يمكن لعنف الشرطة إخمادها».

هذا الالتزام بالحرية والعدالة، القيمتين التين شبههما غاليانو بالتوأم السيامي، حاضرٌ في كتاباته عن كرة القدم وعن الرياضة، كما هو حاضر في كتاباته السياسية والاجتماعية. وقد كرّس هذه الكتابات، على مدى أكثر من خمسة عقود، لتوضيح الطبيعة البنيوية لعدم المساواة والظلم في العالم. فوفقاً لغاليانو، ليس ثمة ثراء بريء إذ أن الحرية والعبودية، والفقر والغنى، ليسوا أموراً مفروضة من أعلى بل نتيجة لنظام عالمي جائر تتحكم به الدول الكبرى، التي تحاضر في الديمقراطية وهي مصانع للعسكرة والحروب. النقد الماركسي لنهب الموارد والاستعباد الذي حصل في أميركا اللاتينية كان الركيزة الأساسية لكتاب غاليانوعروق أميركا اللاتينية المفتوحة. الكتاب الذي صدر في العام 1971، سُمح بإدخاله في البداية إلى السجون أثناء الأشهر الأولى للانقلاب العسكري في الأوروغواي في العام 1973. لم يمانع الحراس بإدخاله لأنهم اعتقدوا أنه كتابٌ في علم التشريح، لكنهم سرعان ما اكتشفوا خطأهم، فمنعوا الكتاب في الأوروغواي، قبل أن يُمنع في التشيلي والأرجنتين أيضاً. اعتقل غاليانو لفترة وجيزة حين كانت الأوروغواي «بطلة العالم في التعذيب» كما يقول، قبل أن يُنفى إلى الأرجنتين، التي غادرها في العام 1976 بعد انقلاب عسكري دموي آخر. «تركت الأوروغواي لأنني لم أرد أن أبقى سجيناً، وغادرت الأرجنتين لأنني لم أرد الاستلقاء في المقبرة، فالموت ممل جدّاً».

مثّل الكتاب صرخة مدويّة أطلقها فقراء أميركا اللاتينية وسكانها الأصليون، ضد استخدام الولايات المتحدة لبلادهم كساحتها الخلفية. تتذكّر إيزابيل أيّيندي أنه أثناء هربها بعد الانقلاب الذي قاده بينوشيه في تشيلي، لم تحمل معها إلا أغراضاً قليلة، من ضمنها ثياب وصور عائلية، وكتابان: أحدهما كان ديواناً لبابلو نيرودا، والثاني كان نسخة من كتاب غاليانو «العروق المفتوحة».

عاد الكتاب ليستحوذ على شهرة غير متوقعة في العام 2009، حين أهدى الرئيس الفينزويلي الراحل، أوغو تشافيس، نسخة منه إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال القمة الأميركية. حين سُئل غاليانو عن إحساسه بأن كتابه أصبح الأكثر مبيعاً وأنه أصبح مشهوراً، كان رده حاسماً: «أنا لا أكتب لتُباع كتبي أو لأصبح مشهوراً ولا أكتب لأجل السوق. أنا أكتب لكي أقترب من الناس».

تغير الكثير في أسلوب غاليانو منذ نشره كتاب «العروق المفتوحة»، بل أنه لا يتردد في انتقاده، خاصة وأنه حاول أن يكون كتاباً في الاقتصاد السياسي، بينما لم يمتلك غاليانو التدريب أو الدراية الكافية بالاقتصاد السياسي. ومع أنه ليس نادماً على أي نقطة أو فاصلة في ذلك الكتاب، فقد تقدم في وعيه ونضجه إلى مكان آخر.

ما لم يتغير في غاليانو، مع مرور السنين، كان إصراره على محاربة النسيان التاريخي واستعادة ذاكرة البشر التي تم تقطيعها وتجزئتها. يشبّه غاليانو هذه الذاكرة البشرية الجمعية بالطيف البشري، إنه «أجمل وأبهى من قوس قزح الآخر، ولكن الطيف البشري تعرّض للتشويه على يد الذكورية ، والعنصرية، والعسكرة، وأشياء أخرى كثيرة دأبت على قتل عظمتنا المحتملة وجمالنا المحتمل».

لا تزال هنالك الكثير من الأصوات التي تطالب بحقها أن تُسمَع، والكثير من القصص التي تستحقّ أن تُحكى، وبرحيل غاليانو فقدنا أفضل من يمكنه التنقيب عنها وسردها. وفقدنا نبيّاً نذر نفسه للنظر إلى الوراء، لا ليندب، بل ليستخرج الكنوز المخبّأة ويكشف الجرائم المدفونة.

في السياسة الجندرية لـ”الكرة الصفراء”

منشور في موقع سمارت أونلاين

لاعبة التنس والناشطة النسوية بيلي جين كينغ
لاعبة التنس والناشطة النسوية بيلي جين كينغ

تكاد كرة المضرب أن تكون الرياضة البارزة الوحيدة التي يشارك فيها الرجال والنساء في بطولات مشتركة عديدة، وتضاهي فيها نجومية بعض اللاعبات ومدخولهن المادي ونسب مشاهدة مبارياتهن تلك التي يحظى بها اللاعبون الرجال، بل وتفوقها أحياناً.

لا شك في أن “الكرة الصفراء” خَطت أشواطاً متقدّمة على صعيد تحقيق المساواة بين اللاعبين واللاعبات، خاصة إذا ما قورنت برياضات مهمة أخرى ككرة القدم وكرة السلة والغولف. ولعل التجسيد الأوضح لهذا التقدم هو موافقة البطولات الأربع الكبرى في اللعبة، المعروفة ببطولات “الغراند سلام”، على منح الرجال والسيدات جوائز مالية متساوية.

كانت أولى البطولات الكبرى التي أقرّت المساواة في الجوائز المالية بين الرجال والسيدات هي بطولة الولايات المتحدة المفتوحة للتنس في العام 1973، أي بعد خمسة أعوام فقط على دخول اللعبة عصرها الاحترافي. ولم تحذُ بطولة أستراليا المفتوحة في مدينة ميلبورن حذوها إلا بعد 28 عاماً، تلتها دورة فرنسا المفتوحة، المقامة على الملاعب الترابية في العاصمة الفرنسية باريس، في العام 2006. أما بطولة ويمبلدون المتّسمة بعراقتها الضاربة في التاريخ ونزعتها “المحافظة” فقد كانت آخر البطولات الكبرى انصياعاً إلى مبدأ المساواة المادية، وذلك في العام 2007. لم تتحقق المساواة الجندرية في الجوائز المالية بسهولة، بل جاءت بعد نضال مضنٍ خاضه اتحاد لاعبات التنس المحترفات وقادته بعض اللاعبات، كانت الريادية فيهن الأسطورة بيلي جين كينغ خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

وفي هذا السياق تبرز الكلمة التي ارتجلتها البطلة الأميركية الأفريقية فينوس ويليامز أثناء اجتماع حضره ممثّلون عن البطولات الأربع الكبرى عُقد في أروقة ويمبلدون في العام 2005. كانت فينوس هي اللاعبة الوحيدة التي شاركت في الاجتماع رغم تحضيراتها في ذلك العام لخوض المباراة النهائية لويمبلدون التي كانت ستجري بعد يوم واحد فقط، ووجهت حينها خطاباً جريئاً أكّدت فيه على حق اللاعبات بالحصول على جوائز مالية متساوية. وقد حمّلت كلمتها رسائل سياسية نسوية أقوى وأكثر جذريةً من معظم الخطابات السطحية والمتخمة بالشعاراتية التي نسمعها في اجتماعات الأمم المتحدة أو البرلمانات حول “تمكين المرأة”. وبعد يوم واحد فقط، تمكنت فينوس من هزيمة مواطنتها لينزاي دافنبورت.

كانت كلمة فينوس في قاعة المؤتمرات، ومن ثم المستوى المميز الذي قدمته هي ودافنبورت على أرض الملعب، أبلغ رد على كل من يزعمون أن النساء غير جديرات بالجوائز المالية المتساوية، معلّلين ذلك بعدة حجج واهية من بينها أن مباريات النساء أقصر أو أقل جودة وتنافساً وجذباً للمتفرّجين. وجميع هذه المزاعم، وإنْ صحت في بعض الأحيان، لا تتعدى في واقع الأمر كونها محاولات للتغطية على ذكورية مقنّعة، يخشى أو يخجل متبنّوها الترويج لها بشكل فاقع، فنراهم يلجؤون إلى استخدام تبريرات “موضوعية” تستند إلى “الجدارة” و”الحقائق”.

لم تكن الإشارة إلى أصول فينوس الأفريقية محض مصادفة، فهي وشقيقتها الصغرى سيرينا ويليامز، المصنفة الأولى عالمياً، والحائزة على 19 بطولة غران سلام في فردي السيدات، تعرّضتا منذ بداية مسيرتهما الاحترافية في أواسط تسعينات القرن الماضي إلى قدرٍ غير مسبوق من العنصرية والذكورية، المعلنة منها والمضمرة. فسواد بشرتيهما وبنيتيهما الجسدية واختيارهما غير التقليدي للملابس واختلافهما عن السائد في رياضة لا تزال إلى يومنا هذا “رياضة بيضاء” بامتياز، جعلهما عرضةً لهذه التوأمة من العنصرية والذكورية.

فينوس وسيرينا ويليمز
فينوس وسيرينا ويليمز

لم تكن صافرات الاستهجان والألفاظ العنصرية التي أمطر الجمهور الأميركي بها سيرينا أثناء نهائي بطولة إنديان ويلز في كاليفورنيا في العام 2001، أول أو آخر حادثة عنصرية تواجهها الشقيقتان. فها هو ذا شاميل تاربيشييف، رئيس الاتحاد الروسي لكرة المضرب، يصف سيرينا وفينوس بالـ”أخوين ويليامز” أثناء لقاء أجرته معه إحدى القنوات الروسية مؤخّراً.

إذن، فإقدام لاعبة سوداء كفينوس على رفع راية المساواة الجندرية يحمل مدلولات تتجاوز بأهميتها كرة المضرب بشكل خاص والرياضة عموماً، وتقول الكثير عن الدور الذي تستطيع النساء السود والملوّنات لعبه في النضال النسوي وخاصة في الميادين التي يهيمن عليها الرجال والبيض.

وعلى الرغم من مرور ثمانية أعوام على قرار ويمبلدون بتطبيق المساواة في الجوائز المالية، ومع أن هذه القاعدة في البطولات الكبرى لا عودة عنها، فما زال موضوع “أحقية” السيدات مثار جدلٍ ليس في الإعلام فحسب بل وفي أوساط اللاعبين، فرغم أن ما تجنيه زميلاتهم من جوائز لا يؤثّر عليهم ولا يبخسهم حقوقهم، نجد بعض اللاعبين الرجال من أعتى المعادين لمبدأ المساواة ولا يألون جهداً في التقليل من قيمة تنس السيدات.  وفي بعض الحالات تكون تعليقاتهم صارخةً في ذكوريتها. اللاعب الفرنسي جو ويلفريد سونغا، عزا التقلبات العديدة في مباريات تنس السيدات إلى “الهرمونات” وإلى كون النساء “غير مستقرات عاطفياً” ويفتقدن اللياقة البدنية. ما يثير الاستغراب من كلام سونغا ليس وقاحته وعدم دقته فحسب، بل كون من قاله هو أحد أكثر اللاعبين تذبذباً، حالت هشاشته الجسدية والذهنية وعدم استقرار أدائه دون ارتقاء نتائجه إلى المستوى المنشود من لاعب بموهبته وقدراته. فهل “الهورمونات” هي السبب وراء تذبذب مستوى السيد جو؟

هذا النمط الذكوري نفسه يكرّسه جزء لا بأس به من مشجّعي اللعبة (ومشجعاتها للأسف) والإعلام الرياضي الذي يتحدث عن صديقات لاعبي كرة المضرب وزوجاتهم في كثيرٍ من الأحيان كزينة مرافقة للاعب! ونجد أن الإعلام الرياضي العربي لا يزال متمسّكاً بوصف اللاعبة الروسية ماريا شرابوفا، على سبيل المثال، بالـ”باربي” أو الحسناء في كل خبر عنها، لدرجة يحسب فيها المشاهد أنها ملكة جمال أو عارضة أزياء لا رياضية. لا يوجد ضير في الإثناء على وسامة اللاعب أو اللاعبة ومظهره أو مظهرها الخارجي. تكمن المشكلة حين يصبح هذا الشاغل الوحيد فيتجاهل المعلّقون الحديث عن مهنة اللاعب أو اللاعبة. وشرابوفا تحديداً هي أبعد ما يكون عن الـ”باربي” على أرض الملعب فهي من أكثر اللاعبات إصراراً ومثابرةً، تمكنت بفضل تدريبها الشاق وروحها القتالية من الفوز بخمس بطولات كبرى وتبوّء المركز الأول عالمياً رغم موهبتها المحدودة.

ماريا شاربوفا
ماريا شاربوفا

لا ننكر أن اللاعبات الجميلات قادرات على جذب أشخاص غير مهتمين بالتنس لمتابعة مبارياتهن، وربما لا يكون هذا أمراً سيئاً أو حتى ذكورياً بالضرورة. نحن نعلم أيضاً، في المقابل، أن بعض متابعات كرة القدم يبدين اهتماماً بوسامة اللاعبين وشكلهم أكثر من اللعب نفسه. إلا أن المشكلة هي في التغافل عن إنجازات اللاعبات وتصديرهن على أنهن وجه وجسد جميل فحسب.

من المجحف أنه كلما صعدت لاعبتان للعب في مباراة مهمة نطالبهما بإثبات جدارة رياضة كرة المضرب النسائية كلها، وفي حين لا يُمثل الرجلان المتنافسان إلا نفسيهما، توضع المرأتان المتنافستان دائما تحت المجهر ويسارع البعض لانتقاد تنس النساء بأكمله والتشكيك بأحقية النساء بجوائز مالية متساوية بناء على مباراة سيئة واحدة أو بعض المباريات. اللاعب إذا أصيب أثناء المباراة فهذا بسبب الجهد الذي يبذله، أما إصابة اللاعبة فسببه أن النساء يفتقدن اللياقة البدنية. اللاعب إذا تذبذب مستواه أثناء المباراة فيتم تبرير ذلك بصعوبة تنس الرجال وشدة المنافسة فيه، أما اللاعبة إذا تذبذب مستواها فهذا يُنسَبُ إلى عدم قدرة النساء على تحمل الضغط أو إلى “الهرمونات” التي تحدث عنها سونغا.

هذه المعايير المزدوجة كانت حاضرة بقوة حين أعلن بطل ويمبلدون السابق آندي ماري عن اختياره للفرنسية أميلي مورسمو مدربةً له. قوبل هذا الخيار، كإعلان ماري عن نيته التصويت بنعم لاستقلال اسكتلندا، بصخب وانتقاد لاذعين في الإعلام البريطاني، ليس لأن مورسمو مدربة سيئة. في الواقع، لم يتحدث أي من الصحفيين المنتقدين لاختيار ماري عن قدرات مورسمو، بل كان مجرد اختياره مدربة امرأة مثار انتقادهم.

إلا أن ماري استغلّ إنجازه بالتأهل لأول نهائي “غراند سلام” له منذ العام 2013 للتأكيد على جدارة النساء. فبعد فوزه بمباراة نصف النهائي على اللاعب التشيكي توماس بيردخ، قال ماري أمام 15 ألف متفرج في ملعب “رود لايفر” المركزي في ميلبورن: “لقد أثبتنا خلال هذا الأسبوع أن النساء مدربات تنس ممتازات أيضاً”، معرباً عن شكره لمورسمو على شجاعتها بقبول تدريبه، وأردف كلمته في الملعب بتغريدة على حسابه الشخصي في موقع تويتر، كتب فيها: “نريد مزيداً من النساء في الرياضة”.

أندي ماري وأميلي مورسمو
أندي ماري وأميلي مورسمو

من المبشّر أن لاعباً شاباً بنجومية ماري يستخدم الميزة الممنوحة له كرجل مشهور ومتفوق في مجاله لمحاربة الذكورية في الرياضة. ليست الرياضة النسائية بحاجة إلى رجل كي يدافع عنها ولا يجب أن توضع في موقع الدفاع عن النفس أصلاً، ولكن وجود رجال كماري في التنس خاصة، وفي الرياضة عامة، يساعد على زعزعة المنظومة الذكورية التي تسيطر على معظم الرياضات.

لا تزال الطريق نحو مجابهة الذكورية في كرة المضرب طويلة جداً، والمساواة المادية غير كافية، مع أهميتها، إلا أن وجود لاعبات كالشقيقتين ويليامز، ولاعبين كماري، يبعث على التفاؤل في هذا السياق.